الجمعة، يوليو 01، 2005

الباحثة عن الحب - نوال السعداوى .. من كتابها " أوراق حياتى "

صيف عام 1963 بدأت كتابة رواية أعطيتها عنوان الباحثة عن الحب، فى أعماقى حنين غامض لشئ أكثر غموضا. لا أعرف بالضبط عما أبحث. بلغت الثانية والثلاثين من العمر. أصبحت طبيبة ناجحة وأديبة معروفة. فى حياتى كثيرمن الأصدقاء والصديقات. نساء ورجال أتبادل معهم الحديث على شاطئ النيل. نتحاور فى الطب والأدب والفلسفة، مع قضمات من الحمام المشوى ورشفات النبيذ عمر الخيام، نطل على مدينة القاهرة من فوق ربوة الأهرامات، نتسكع فى المدينة بعد أن ينام الكون، أعشق الشوارع الخالية من السيارات والبشر، يصفو عقلى وأتطلع إلى النجوم، يعود إلىَّ السؤال الطفولى، كنت أسأله لأبى وأنا فى السابعة من العمر، مين خلق النجوم دى كلها؟ ربنا يا ابنتى، ومين خلق ربنا يا بابا؟ ربنا خلق نفسه بنفسه يا ابنتى، لم يكن عقلى الطفولى يقبل هذه الفكرة، أن يخلق أحد نفسه بنفسه. فى العشرين من عمرى نسيت الأسئلة الطفولية كلها، انشغلت بالدراسة فى كلية الطب والنجاح فى الامتحانات آخر العام، قبل الامتحان بأيام قليلة أواظب على الصلاة، لم أكن أرى أمى تصلى إلا وقت الأزمات، أسمع الشيخ فى الراديو يقول النساء ناقصات عقل ودين، بدأت أتشبه بأبى، أواظب على الصلاة فى غير أوقات الامتحان، بلغ بى الإيمان ذروته عام 1952، حين بلغت الواحد والعشرين من العمر، أصبحت فى الأوراق الرسمية مواطنة بلغت سن الرشد، أحظى بحقوق الإنسان فيما عدا الحقوق التى منحها الله للرجال دون النساء، كان الدستور المصرى ينص على المساواة بين الناس أمام القانون، لكن شريعة الله تنص على أن الرجال أعلى درجة من النساء، كان التناقض واضحا بين الدستور والشريعة، لم أكن أرى هذا التناقض وأنا فى الواحد والعشرين من عمرى، الإيمان المطلق الاعمى يجعلنى كأنما عمياء لا أرى التناقضات الواضحة للعيان. كنت أمشى فى طريقى من البيت إلى الكلية فى خط مستقيم، لا أحرك رأسى هنا أو هناك، وأعود من الكلية إلى البيت مباشرة دون أن أتطلع إلى هذا أو ذاك، كل يوم أروح وأجئ فى الطريق ذاته، كالبقرة العمياء معصوبة العينين تدور فى الساقية، وفجأة إلتقيت بأحمد حلمى، كنت أمشى فى فناء الكلية حين إستوقفنى ونادانى بإسمى، نوال، توقفت عند سماع إسمى بهذا الصوت، كأنما لم ينادينى أحد بإسمى من قبل، أو كأنما كلمة نوال لم تكن إسمى، أصبحت إسم امرأة أخرى جديدة ولدت لتوها فى هذه اللحظة. ربما هما العينان وليس الصوت. عيناه وهو واقف أمامى فى الفناء، عيناه فقط رأيتهما، ربما لم تكن هما العينان، بل شئ آخر لم أره تماما، لأننى لم أملك القدرة على النظر إليه، فقدت شجاعتى قبل أن ترتفع عيناى إليه. أتوقف عند هذه اللحظة بعد مرور خمسين عاما، أتذكرها أستعيدها تعود إلىَّ كما حدثت، تعود معها التفاصيل الصغيرة الدقيقة، تصورت أنها ضاعت من الذاكرة خلال نصف قرن، تفاجئنى أنها تعيش فى الحاضر كما عاشت فى الماضى، لحظة لم تتكرر فى حياتى منذ خمسين عاما. أتكون هى لحظة الحب الكبير أو الوهم الأكبر؟ كان أحمد واقفا فى الفناء، بالضبط عند الباب الصغير بين فناء الكلية والمدخل إلى مستشفى قصر العينى القديم، كان يرتدى قميصا أبيض فى يده مجلة يناولها إلىَّ ويقول: ده العدد الجديد من مجلة شعلة التحرير يا نوال، ينطق حروف إسمى كأنما يعرفها، كأنما يألفها، رغم أنها المرة الأولى أقابله وجها لوجه، أخذت المجلة وانشغلت بفتح حقيبتى وإدخال المجلة فيها بين كتب الطب وكشاكيل المحاضرات والمشرط وأدوات التشريح، حقيبتى كانت ثقيلة ممتلئة وكان علىَّ أن افتحها وأضع المجلة فيها، حركة أنقذتنى من النظر إلى عينيه، تظاهرت أننى منهمكة فى فتح الحقيبة، وإفساح مكان للمجلة بين الكتب والكشاكيل، بدت الحقيبة مكدسة بأشياء قديمة مهترئة لا قيمة لها إلى جوار المجلة الجديدة، يبرق إسمها فوق الغلاف بخط أحمر، يلمع تحت شعاع الشمس: "شعلة التحرير". - يا ريت يا نوال تقرى قصة العدد وتقوليلى رأيك. كنت فى طريقى إلى مدرج على باشا ابراهيم، أسرع الخطى قبل أن اتأخر عن موعد المحاضرة، كان الأستاذ هو "أنريب"، يدرس لنا علم الفسيولوجى، يلقى المحاضرة بلغة انجليزية تشوبها لكنة روسية، جاء من روسيا إلى مصر ليصبح أستاذا فى كلية الطب فى نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، قصير سمين مربع الجسم داخل معطف أبيض، له وجه مربع عريض يشبه الدب الأبيض، لحيته كثيفة تشبه لحية تشيكوف ودوستيوفسكى. كان يحكى لنا عن العالم الروسى "بافلوف" الذى اكتشف نظرية الارتباط الشرطى، أحدثت طفرة فى علم الفسيولوجى، وفى نظرية المعرفة. خيالى الأدبى كان يسرح مع الدكتور "أنريب" وهو يحكى لنا قصة الكلب والجرس. إنها التجربة التى أجراها بافلوف فى المعمل. كان يضع الطعام أمام الكلب كل يوم فى ساعة معينة. يقبل الكلب على الطعام بشهية. كل يوم فى الموعد نفسه يجد الكلب الطعام فى المكان نفسه، يأكل بشهية ويلحس الصحن. أصبح بافلوف يدق جرسا عدة دقات تصاحب اللحظة التى يأكل فيها الكلب الطعام. بدأ الكلب يسمع دقات الجرس مع قضمات أسنانه على الطعام. تكرر الحدث كل يوم، عدة أيام. ثم بدأ بافلوف يدق الجرس دون أن يقدم الطعام للكلب. أصبح لعاب الكلب يسيل لمجرد سماع صوت الجرس، وأصبحت معدة الكلب تفرز الإنزيم الخاص بالهضم كأنما هى تستقبل الطعام. لقد ارتبط صوت الجرس فى خيال الكلب وعقله برائحة الأكل ومذاقه فى فمه ومعدته. توصل بافلوف إلى الارتباط الشرطى بين المادى والخيالى فى عملية التعليم والتدريب فى حياة الكلاب، وحياة البشر على حد سواء. كانت العلاقة بين المادة والروح تشغلنى أحيانا، أدرك أن الجسد لا ينفصل عن العقل، وأن الخيال جزء من الحقيقة. كنت أستغرق بعقلى وجسدى فيما يقوله الدكتور أنريب، لم يكن يتلو علينا المحاضرة مثل الأساتذة الآخرين، كان يحكى لنا الحكايات، نفهم علم الفسيولوجى ونظرية المعرفة الجديدة عن طريق القصص والربط بين الخيال والواقع، الربط بين الماديات والروحانيات. يتخلخل الايمان الأعمى بانفصال الروح عن الجسد، تدور فى رأسى الأسئلة الطفولية القديمة، عيناى ترتفعان إلى السماء فى رهبة، كلمة الله ترمز إلى الروح بدون جسد، عقلى الطفولى كان عاجزا عن الإيمان بوجود الروح دون جسد، بلغت سن الرشد، ونسيت البديهيات، سرت نحو النضوج والإيمان الأعمى بالأرواح المنفصلة عن الأجساد، بدأت أرى فى الليل أشباح الجن، أومن بوجودها وبكل ما ورد فى القرآن. فى غرفة الطالبات فتحت حقيبتى، الغلاف الجديد والعنوان بالخط الأحمر، شعلة التحرير، لمحت الصديقات البريق فى عينى، رمقتنى بطة بعين مجربة وهمست، حب جديد يا نوال؟ لم يكن للطالبات حديث فى أوقات الفراغ إلا عن الحب، كثيرة هى قصص الحب بين الطلبة والطالبات، يدس الطالب رسالة حب فى كشكول الطالبة، تقرأها علينا فى غرفة الطالبات، تتورد خدود البنات وهن جالسات تحت شجرة الكافور الضخمة، يحفرون بمشرط التشريح فوق جذع الشجرة حروف الإسم داخل القلب، يرسمن القلب بدقة كما هو مرسوم فى الكتاب، وكما يظهر فى صدر الجثة فوق منضدة التشريح. كنت واحدة من هؤلاء البنات المراهقات فى كلية الطب، أومن بالحب الروحى المنفصل عن الجسد، كما أومن بالله، الروح العليا فى السماء، المنفصلة عن الجسد الأدنى فوق الارض، وكنت أجد رسالة الحب داخل الكشكول، كل يوم يدس أحد الطلبة الرسالة، كان الطلبة كثيرون عددهم بالمئات، والطالبات عددهن قليل يعد على أصابع اليد الواحدة، أو اليدين الإثنتين، كان نصيبى من رسائل الحب أكثر من زميلاتى، لم يكن للزميلات نشاط فى الندوات الأدبية بالكلية، أو الاجتماعات السياسية أو المظاهرات الوطنية، ربما كنت الطالبة الوحيدة فى ذلك الوقت التى تكتب القصص القصيرة والمقالات، وكان رؤساء تحرير المجلات من الطلبة الكبار يأتون إلىَّ وأنا جالسة بين زميلاتى فى المشرحة، تحمر وجوه البنات حين يأتى إلينا طلبة غرباء ليسوا زملاء لنا فى المشرحة. كان الطلبة الغرباء أكبر سنا وأكثر جرأة فى التطلع إلى البنات، يرفعون رؤوسهم فى كبرياء كأنهم زعماء، يتنافسون على الخطب فى المظاهرات، ينقسمون إلى فرق متناحرة بعدد الأحزاب فى مصر قبل سقوط الملك، الإخوان المسلمون يرفعون شعار السيف والقرآن، الشيوعيون شعارهم المطرقة والمنجل، الوفديون يحملون صورة النحاس باشا، الحزب الوطنى يردد كلمات مصطفى باشا كامل، أحزاب الأقلية لكل منهم شعاره، الحكومة والسراى والإنجليز لكل منهم حزب داخل البلاد، المستقلون لهم أحزابهم، بعضهم يتبع عزيز المصرى، بعضهم يؤمن بالألمان والنازية، بعضهم يؤمن بالحلفاء والديموقراطية، كلهم توابع للقوى المتصارعة فى الساحة السياسية. بدا أحمد حلمى كأنما هو المستقل الوحيد، مجلة شعلة التحرير يصدرها مع مجموعة من زملائه، يدفعون نفقاتها من جيوبهم، كان هو رئيس التحرير، قرأت عددين أو ثلاثة، نشرت فيها بعض القصص القصيرة بأقلام طلبة الطب ذوى الميول الأدبية، قرأت قصة أحمد حلمى بعنوان كلب وغلام، لا أنسى القصة رغم مرور نصف قرن من الزمان، صورة الكلب الصغير الأعرج يأكل من صفيحة قمامة إلى جواره طفل أعرج، كان أحمد حلمى ينظم الندوات الأدبية، يربط بين الفقر والمرض، بين الطب والأدب، لم يكن يوسف إدريس يكتب القصة بعد، كان يكتب المقالات السياسية ويرأس مجلة أخرى إسمها "الجميع". فى إحدى الندوات الأدبية قال يوسف لأحمد، قرأت قصتك كلب وغلام، إزاى كتبتها يا أخى؟ شئ عجيب فعلا، تصور يا أحمد وأنا نايم فى عز النوم أشوف الكلب الأعرج بياكل من الزبالة مع الطفل الأعرج، يا أخى القصة دى أحسن من ميت مقال سياسى! لم يكتب أحمد حلمى شيئا بعد هذه القصة. سافر إلى القنال وعاد محطما. خانه الأصدقاء قبل الأعداء. تزوجنا ضد إرادة أبى. كان أبى يؤمن بالعمل الفدائى والموت من أجل الوطن. ملأ خيالى وعقلى منذ الطفولة بأناشيد الفداء، بلادى بلادى أفديكى بروحى ودمى، عاش أبى المنفى فى منوف عشر سنوات، كف فيها عن النشيد، أصبح ينوء بالحمل الثقيل، عائلة من تسعة عيال وأمهم، أصبح رهين المحبسين الوظيفة الحكومية والأسرة الأبوية. كان أبى يؤمن بالله والوطن، لكن أحمد حلمى كان يؤمن بالوطن فقط. فى أول حديث لنا عن الدين سألنى أتؤمنين بالله يا نوال؟ قلت طبعا، مرت لحظة صمت طويلة. كنا نجلس فى حديقة الشاى، مكان هادئ يطل على بحيرة صغيرة يعوم فيها البط داخل حديقة الحيوان بالجيزة، كنت أرتدى بلوزة وردية جديدة، أرى وجهى منعكسا فوق مياه البحيرة، عيناى يكسوهما بريق، الدقات تحت ضلوعى محسوسة، أنفاسى تتعاقب بسرعة لم أتعودها، أحاول أن أتظاهر بالهدوء وأنشغل بمراقبة البط يفرد أجنحته فى الماء، يتطاير فوق ريشه الرذاذ مثل ذرات من اللؤلؤ تلمع تحت أشعة الشمس. - وأنت يا أحمد هل تؤمن بالله؟ - لأ يا نوال. الصدمة الأولى فى الحب، تجمدت الدقات تحت ضلوعى، توقفت الأنفاس وقدرتى على النطق. لم أعد أرى البحيرة ولا البط، غامت عيناى ومرت سحابة حجبت الشمس، تصورت أن الله سمع كلمة لأ وأراد أن يدمر الأرض والشمس وكل ما فى الكون. فتحت عينى ورأيت أحمد جالسا أمامى، كأنه كائن ميت لا أقوى على النظر إليه. - آسف يا نوال إذا كنت صدمتك، أنا دائم التفكير فى فكرة نشوء الكون، أنا غير مقتنع بنظرية الخلق فى الكتب السماوية، أنا شرحت جسم الإنسان فى المشرحة، وقريت كتاب داروين أصل الأنواع، الكتاب ده كان بمثابة المسمار فى عرش الامبراطورية البريطانية، لأنه هدم أهم أركانها وهو الكتاب المقدس، أو أهم ما فى الكتاب المقدس وهى نظرية الخلق ونشوء الكون. صمت أحمد قليلا، أحسست الجفاف فى حلقى، شئ يؤلمنى تحت الضلوع، أنفاسى عادت بطيئة ودقات القلب لم تعد هناك، أحس الدم يمشى فى صدرى بطيئا بارد الملمس، كأنما جرح فى صدرى مفتوح منذ الطفولة، جرح لم يلتئم منذ ولدت ولم أسمع الزغاريد، لم أشهد فى العيون إلا الحزن والصمت، أصابع غليظة سمراء كالمسامير الصدئة تحاول خنقى تحت الماء، وأنا أرفس بقدمى وذراعى وأطفو، صوت يخرق أذنى مثل السيخ المحمى فى النار، بنت وليست ولدا! العوض على الله! كلمة الله تنفذ إلى أذنى مثل المسمار الحديدى الذائب فى النار، الله يفضل الرجال عن النساء، الله صاحب الجلالة مذكر وليس مؤنث، فى القرآن الله لا يلد ولا يولد، وفى التوراة الكتاب الأول المقدس الله لا يلد البنات، أبناء الله تزوجوا بنات الناس وأنجبوا البشرية. - قريتى أصل الانواع يا نوال؟ - لأ. - لازم تقريه يا نوال، وكمان كتاب كارل ماركس، رأس المال، فى سنة 1882، السنة نفسها اللى احتلت فيها مصر مات داروين، عملو له مقبرة عظيمة فى وست مينيستر أبى، كان كارل ماركس فى لندن من سنة 1849، مات فى لندن بعد داروين بسنة واحدة، قبل ما يموت أهدى كتابه رأس المال لداروين، لكن داروين كان مؤمن بالمسيح والامبراطورية البريطانية، عشان كده رفض هدية كارل ماركس، رفض يستلم كتاب رأس المال، كان خايف من الكنيسة والحكومة فى لندن، قريتى رأس المال يا نوال؟ - لأ. - ده كتاب مهم يا نوال، أنا مش ماركسى ولا شيوعى لكن الكتاب ده مهم لازم تقريه. دار هذا الحوار بينى وبين أحمد قبل زواجنا وقبل سفره إلى الحرب مع الفدائيين. عدت إلى البيت سيرا من حديقة الحيوان إلى بيت أبى فى أول شارع الهرم. قدماى تسيران وحدهما فى الطريق وعقلى شارد، كادت سيارة تصدمنى وأنا أجتاز الشارع لأهبط تحت نفق القطار، كأنما أسير فى نفق مظلم لا أعرف الحقيقة من الخيال، بدا كل شئ من حولى يتخبط فى الوهم، الحب والإيمان بالله، والكتاب المقدس ونظرية الخلق ونشوء الكون، أتطلع إلى السماء كأنما أتوقع أحدا يرد، أتطلع إلى أبى فى البيت أود أن أسأله لكن صوتى لا يخرج، لم تعد كلمة الله تخرج من فمى عادية، أصبحت مشحونة بالكهرباء أو الديناميت، أخشى لو نطقت بها أن ينفجر المكبوت فى أعماقى منذ الطفولة. أن ينكشف السبب الحقيقى وراء إيمانى، وهو الخوف من أبى أو الخوف من الله ونار جهنم الحمراء بعد الموت. بعد أن سافر أحمد إلى الحرب فى القنال بدا الكون خاويا بلا معنى، بلا إله ولا شيطان ولا أى شئ، كلية الطب بدت بلا معنى وبلا هدف، الطلبة يهرولون إلى المشرحة والمستشفى كالأشباح فى عالم من الوهم، الأرواح الخفية والجان وكل ما ورد فى القرآن، أرى أبى راكعا يصلى فأشفق عليه من الوهم، أكاد أقول له لا توجد جنة بعد الموت ولا جدوى من الركوع والصلاة، أضع يدى فوق فمى أحبس الكلمات فى حلقى. حزمت حقيبتى وقررت السفر إلى القنال. تطوعت مع بعض الممرضات فى المستشفى للسفر إلى الجبهة. تدربت على الإسعافات الأولية، كانت لى صديقة بين الممرضات إسمها وديدة، خطيبها سافر مع الفدائيين إلى القنال، أرادت أن تراه ثم تعود، أنا أيضا أردت أن أرى أحمد ثم أعود، لم يكن الطريق إلى الاسماعيلية طويلا، ساعتين بالسيارة، ويمكن أن أعود بالسيارة فى اليوم نفسه، أو فى اليوم التالى. ركبت مع وديدة السيارة اللورى، جلسنا إلى جوار السائق، خلفنا جلس أحد الممرضين وسط زجاجات الدم والبلازما. أفقت على صوت السائق يقول: فاضل كيلو واحد على الاسماعيلية. قلبى يخفق تحت الضلوع، لم يعد إلا كيلو واحد والتقى بأحمد، أحوط صدرى بذراعى أكتم الخفقات عن السائق بجوارى، أخشى أن يكتشف السبب الحقيقى وراء سفرى إلى الاسماعيلية. لقد أعلنت له أننى متطوعة مع الممرضات من أجل الوطن. خرجنا من القاهرة فى الليل، وديدة ركنت رأسها فوق حافة النافذة، شردت عيناها فى السماء، صوتها المبحوح يدندن بأغنية أم كلثوم "هو صحيح الهوى غلاب ماعرفش انا" يذكرنى صوتها بزميلتى فاطمة فى مدرسة حلوان الداخلية، فتحت حقيبتى وأخرجت الساندويتش، رغيف فينو طويل داخله جبن رومى وبيضة مسلوقة بالملح والفلفل. قسمت الرغيف ثلاثة أقسام ناولت السائق جزءا، وديدة جزءا، وأخذت الجزء الأخير. كنت جائعة، رائحة الخبز والجبن والفلفل تصيبنى بانتعاش مفاجئ، أعود طفلة تأكل بشهية، اتذكر أمى حين كانت تجهز الساوندويتش لآخذه إلى المدرسة وأنا طفلة فى السابعة من العمر. رائحة الخبز والجبن والفلفل أعادت إلى خيالى صورة أمى فى طفولتى. مثل صوت الجرس فى تجربة بافلوف، يستحضر فى خيال الكلب صورة الطعام. هناك تشابه بين خيال الكلب وخيال الإنسان؟ تعود إلى ذاكرتى قصة "كلب وغلام"، كان لأحمد أسلوب مميز فى الكتابة، كلماته فوق السطر تتتابع بهدوء يشبه خطوته فوق الارض، يشبه صوته حين يتكلم. الإيجاز فى التعبير يبدو كالإعجاز، والتصوير الدقيق إلى حد التجسيد. يتراءى لى جسم الغلام الصغير النحيف، وجسم الكلب يشبه الغلام صغيرا ونحيفا، يأكلان معا من صفيحة القمامة، عيونهما غائرة داخل عظام الجمجمة، المقلتان السوداوتان بارزتان فوق البياض مشتعلتان بنار الجوع، كل منهما ينظر إلى الآخر فى ألفة وصداقة، يتيمان وحيدان فى مدينة القاهرة الراقدة تحت شبورة رمادية، وسماء ملبدة بالآلهة غير مبالية. همست وديدة فى أذنى والعربة اللورى تدخل إلى مشارف الاسماعيلية، لازم أعرفك باليوزباشى رجب ناويين نتجوز على طول أول ما يرجع من الحرب، وحشنى موت يا نوال، حتبقى مفاجأة لما يشوفنى، ما يعرفش إنى تطوعت فى كتيبة التمريض عشان أشوفه. ثم أطبقت شفتيها فى صمت، كأنما تخون الوطن، تفكر فى الحب وقت الحرب، وتنتمى إلى عالم النسوة العاطلات الخاملات، لا شئ يشغلهن إلا الرجل. سمعنا دوى الانفجارات من بعيد، أسرع السائق فوق الطريق المحاذى للسكة الحديد، لم أكن أعرف إلى أين نتجه، الظلمة كثيفة، الشفق الاحمر تراءى من بعيد، دوى الانفجارات يشتد، السائق يدوس على البنزين، صوته يعلو على صوت الموتور، لازم نوصل المعسكر قبل الفجر ما يطلع، كانما هو فى سباق مع حركة الشمس حول الأرض أو الأصح حركة الأرض حول الشمس كما قال كوبيرنيكس، كوكب الشمس مركز الكون وليس الأرض، مسمار كبير فى نعش الكنيسة عام 1543، قبل مسمار داروين بثلاثة قرون ونصف، وكم من مسامير أخرى تعاقبت حتى اليوم، وأصبحت الشمس مجرد كوكب ضمن ربعمائة بليون كوكب آخر فى المجموعة الشمسية، تبعد عن كوكب الأرض أربعة سنوات ضوئية، أى بلايين البلايين من الكيلومترات، المسافة بين الشمس والأرض أكثر من مائة وخمسين مليون كيلومترا، تجتازها أشعة الشمس فى ثمانية دقائق ضوئية، أى بسرعة نصف مليون كيلومترا فى الثانية الواحدة. المدافع تدوى فى أذنى، السيارة اللورى تتخبط فوق مطبات الطريق، الموتور يعلو فوق صوت السائق، زجاجات الدم والبلازما تتخبط وراءنا، التمورجى القابع فى قاع السيارة يشير إلى السماء فى فزع، فيه غارة جوية وفوق راسنا طيارة! كان ذلك فى نهاية عام 1951، كنت فى العشرين من العمر، لا أعرف معنى الحرب، كنت أسمع عن المدافع والرشاشات، لم أعرف فى حياتى حتى ذلك الوقت إلا رشاشة الفلت، أمسك مقبضها بيدى وأحركه كالمنفاخ يتطاير رذاذ الفلت ويقتل الذباب، منذ سافر أحمد إلى القنال وأنا أرى حلما يتكرر فى النوم، أمسك رشاشة الفلت وأحرك مقبضها، يتساقط الجنود الإنجليز إلى الأرض كالذباب الميت، فى طفولتى كان يطربنى سماع صفارة الإنذار تعلن عن الغارة الجوية، ينطلق الناس خارج بيوتهم إلى المخابئ تحت الأرض، تخرج النساء بقمصان النوم والرجال بلا أحذية ولا بدل ولا كرافتة، فى المخبأ تذوب الفوارق بين الأغنياء والفقراء، يختلط النساء بالرجال والبنات بالأولاد، نلعب نحن الأطفال معا فى الظلمة بقطع الطوب الصغيرة، نرسم فوق التراب المربعات ونلعب السيجة، حين تنطلق صفارة الأمان نشعر بالحزن، تعود كل عائلة مع أطفالها وراء جدران بيتها، تعود التقاليد تفصل البنات عن الأولاد، تبقى البنات داخل المطبخ ويخرج الأولاد يلعبون فى الشارع كانت جدتى تقول أن الله هو فرق بين البنات والأولاد، وهو الذى خلق العائلات وخلق البيوت والجدران. لم أكن أرى الكشافات فى القرية، كنت أراها فى بيت جدى فى القاهرة، حين تدوى صفارة الإنذار أجرى إلى الفرندة الواسعة المطلة على السماء، تتعلق عيناى بكشافات الضوء، تروح وتجئ فى الكون اللانهائى، أذرعها بيضاء طويلة تمسح الظلمة من السماء، كأنما هى أذرع الله تكشف طائرات الأعداء، وترن أصوات المدافع فى أذنى من بعيد مثل صواريخ العيد. توقفت العربة اللورى عند المعسكر، خيام سوداء متفرقة تتخفى تحت الشجر، عربات جيب مصفحة مركونة على جانب الطريق. عربات كارو تجرها الخيول أو الحمير، أوعية للأكل وماء داخل قرب من جلد الماعز. شباب يرتدون بدل حرب العصابات. بدو الصحراء يجرون جمالهم من فوقها الأسلحة مختفية تحت عباءات من صوف الإبل. بدأ الشباب ينقلون زجاجات الدم والبلازما، رأيت رئيس المعسكر واقفا أمام باب الخيمة، يتأمل الشباب ينصبون خيامهم، يحفرون خنادق تحت الارض، الجو مشبع بالرمال والتراب، سألت أحد الشباب عن أحمد حلمى، لا أحد يعرف أحدا باسمه الحقيقى، الجميع يحملون أسماء تنكرية. من بعيد وسط الضباب على شط القنال كتلة ضخمة من السواد. تنتصب فى الظلمة مثل قلعة ضخمة تحرس قناة السويس، يقولون عنها معسكرات الإنجليز. قناة السويس ترتبط فى خيالى الطفولى بالخديوى عباس، وديليسبس، والفلاحين يحفرون القناة من أجل الله والوطن، كالعبيد بنوا الهرم الأكبر من أجل فرعون والوطن، الكرابيج كالسياط تلسع أجسادهم، يسقطون من الإعياء ويموتون، يتطوع أبناؤهم الفقراء فداء الوطن، يتلقون الرصاص فى صدورهم، يستشهدون فى ساحة القتال وهم يهتفون الملك الله الوطن! سمعت الشباب يهتفون، كل فرقة تهتف بشعار مختلف، الإخوان المسلمون يرددون لا إله إلا الله محمد رسول الله، الشيوعيون يهتفون الكفاح المسلح الكفاح المسلح يحيا الشعب، شباب الوفد يهتفون النحاس النحاس، تختلط أصوات الشباب وتذوب فى الصمت، يتعالى الغبار مع ضربات المعاول فى الأرض، على الضفة الأخرى للقناة أرى تلال سيناء، رمالها تشوبها حمرة تحت أشعة الشمس كأنما هى غارقة فى الدم، منذ التاريخ كانت سيناء هى البوابة الشمالية يدخل منها الغزاة، يركبون الخيول والحمير والدبابات أو الطائرات، فوق الخريطة تبدو مثلثة الشكل، شبه جزيرة سيناء، تلال من الرمال دفنت تحتها أجساد الشباب الفقراء، لم يكن أبناء الأثرياء يذهبون إلى الحرب، يدفع الأب الفدية، مبلغ من المال يشترى به حياة إبنه، يموت الشاب الفقير فى سبيل الله والوطن. فى الليل داخل الخيمة همست وديدة فى أذنى، ما حدش عارف حد هنا، مش عارفة أنام يا نوال، خايفة موت نرجع من غير ما أشوفه، ثم أغمضت عينيها وراحت فى النوم، ملامحها وهى نائمة تشبه الطفلة، شعرها أسود غزير يغطى وجهها، ترتدى قميص نوم من الكستور الأبيض فيه زهور صغيرة حمراء، فتحت عينيها ورأتنى شاخصة إلى سقف الخيمة، همست فى أذنى، صاحية ليه يا نوال، اللى واخد عقلك يتهنا بيه! لازم أرجع بكره يا وديدة، بابا ما يعرفش إنى هنا، قلت لهم فى البيت إنى فى مستشفى القصر العينى وعندى نوبتشية، لازم أرجع بكرة يا وديدة. كانت المرة الأولى أكذب على أبى وأمى وأبيت خارج البيت. رتبت مع السائق أن أعود معه فى العربة اللورى فى الصباح. فقدت الأمل فى العثور على أحمد، كل شىء هنا يبدو غريبا، مثل الحلم المفزع، رأيت الممرضات يغسلن الجروح من الدم والصديد، فى إحدى الخيام رقد شباب ينزفون الدم، فوق رؤوسهم زجاجات الدم والبلازما، والخراطيم السوداء الرفيعة يجرى فيها الدم من الزجاجة إلى الأذرع الممدودة فوق الارض. أحد الشباب لفظ النفس الاخير، دفنوه فى الأرض فى مقبرة بجوار الخيمة. لم يعرف أحد كم من الفدائيين ماتوا فى هذه الحرب عام 1951، لكن الأرقام نشرت بعد ثلاثين عاما، فى عام 1981، وأنا داخل الزنزانة فى سجن النساء بالقناطر الخيرية، جاءت ذوبة، من عنبر المومسات تحمل أرغفة الخبز لنا، لفت الأرغفة الثلاثة الخاصة بى داخل ورقة من أوراق الصحف، وهمست، بالهناء والشفاء يا دكتورة نوال، كانت ذوبة تهرب لنا بعض أوراق الصحف، الصحيفة تحمل تاريخ 27 اكتوبر 1981، أتذكره لأنه تاريخ ميلادى، لم تكن إلا صفحة واحدة داخلية، فيها بعض الأخبار وخبر صغير فى أسفل الصفحة يقول: فى حرب 1951 قتل من الفدائيين ما يزيد عن مائتى فدائى، كشفت الحقائق بعد ثلاثين عاما عن أن هذه الحرب ضد الاحتلال البريطانى هى التى مهدت لثورة يوليو عام 1952 إلا أن أسماء هؤلاء الشهداء ضاعت فى التاريخ بعضهم حفر إسمه على عمود من الحجر بالقرب من شط القنال، سقط الحجر مع الزمن واندثر الإسم فى العدم. كنت أرمق هؤلاء الفدائيين بعين ملؤها الحسد، وهم يسيرون برؤوس مرفوعة، سلاحهم فوق كتفهم، عيونهم تلمع بالكبرياء، إن سقطت قنبلة فوق الخيمة يموتون واقفين فى كبرياء، وأنا أموت فى فراشى راقدة مع النساء الممرضات. لم يكن للمرأة أن تنال شرف الموت وهى تقاتل، كانت تموت وهى راقدة فى فراشها، أو وهى تحمل براز الفدائيين فى الجردل، أو تغسل جروحهم من الدم والصديد. من بعيد كنت أرمق معسكرات الإنجليز، ينتابنى القلق أو الخوف من المجهول. هل أعيش حتى أرى هذه المعسكرات حطاما؟ إنها تبدو مثل القلعة المحصنة، مثل الأبراج العالية تسكنها كائنات غير بشرية، مفترسة ومخيفة، يتراقص من فوقها العلم البريطانى، مثل طائر خرافى من الطيور الجارحة، خطوطه حمراء بلون الدم تتقاطع مع خطوط سوداء بلون الموت. بعد أربعة عشر عاما جئت إلى الاسماعيلية بعد حرب 1967، تغير شكل العلم فوق معسكرات الأعداء، أصبح يحمل نجمة داوود، يرفرف فى الظلمة والعربة اللورى تشق الطريق ما بين الاسماعيلية وبور سعيد. تحت ظلمة الليل كانت الصحراء تتلاشى والسماء، كل شئ فى الكون يتساوى فى الظلام، أعلام الدول ومعسكرات الأعداء، كلها تتساوى وتذوب فى السواد. عيناى مفتوحتان لا أنام، وديدة راحت فى النوم تحلم بعودة خطيبها من الحرب وليلة الزفاف. أخشى أن أسقط فى النوم ولا أصحو فى الصباح، أخشى أن تسقط قنبلة وأموت فى الاسماعيلية، يكتشف أبى وأمى أننى كذبت عليهما وقضيت الليلة فى الاسماعيلية وليس فى نوبتشية القصر العينى. كان الموت أهون فى نظرى من انكشاف الكذب. خرجت من الخيمة أتمشى فى الصحراء. الشفق الأحمر يسرى فى صدرى مع نسمة الفجر، استشعر الحنين للحب، أمشى نحو عين الماء، أتصور أننى سوف ألتقى بأحمد هناك، ربما نهض من النوم ليشرب، ربما يدرك أننى هنا فى الاسماعيلية، فى الخيمة المجاورة له، وأننى أنهض وأمشى إلى عين الماء، كأن بيننا موعد وأنا أمشى اليه، وهو يمشى إلىَّ، نقطتان صغيرتان فى الكون تمشيان نحو بعضهما البعض، نجمان مؤرقان فى سماء الليل والكون كله نائم. لم يكن أحد عند عين الماء. أحسست خيبة الأمل، كأنما أحمد خان العهد وتخلف عن الموعد. غسلت وجهى وذراعى بالماء البارد. ملأت كفى بالماء وشربت. ليس له طعم ماء النيل. له نكهة معدنية كأنما أضيفت إليه مادة كيمائية. هل سمم الأعداء الماء؟ كنت أسمع من البدو أن الأعداء يسممون عيون الماء والآبار، من بعيد رأيت البدو يسيرون يقودون الحمير أو الجمال. نصبوا خيامهم وانضموا إلى كتائب الفدائيين. الفلاحون أيضا جاءوا بفئوسهم، وقطاع الطرق جاءوا بالأسلحة، والفلاحات أيضا، منهن امرأة فارعة القامة تحمل بندقية فوق كتفها يسمونها أم الفدائيين، ترتدى جلبابا واسعا أسود، تربط رأسها بحزام من جلد الماعز، قدماها كبيرتان سمراوتان، كعباها مشققتان، تشبه جدتى الفلاحة أم أبى، خطوتها واسعة فوق الأرض، خفيفة الجسم قفزاتها سريعة كوثبات الفهد. هنا وهناك بركت الجمال والحمير، راحت فيما يشبه النعاس، والحصان الأبيض يركبه رئيس المعسكر، أهداه إليه أحد الأعراب من سيناء. تلال سيناء وصخورها منتصبة فى غضب، كأنما تريد الانقضاض على معسكرات الأعداء. الله اكبر ولله الحمد، هذه التلال يا إخوانى خلقها الله لتحمى المسلمين من غزوات الكفرة! هذا هو صوت أحد الفدائيين فى كتيبة الإخوان المسلمين. صوته ينطلق مع آذان الفجر. وصاح شاب من كتيبة الوفد أو الشيوعيين، "والحماية العسكرية هنا ليه يا أخ إذا كانت التلال دى حاميانا؟" نشب حوار أشبه بالمعركة بين الشباب، كادت تستخدم فيه الأيدى والبنادق، لم يفضه إلا حضور رئيس المعسكر، عضلاته مشدودة علامة القيادة، سلاحه يطل من جيبه، يرتدى كاسكيت يحجب نصف وجهه العلوى، ذقنه مربعة عريضة، راح يتمشى بعد أن فض العراك بخطوة الأسد الهادئ الواثق من نفسه، يرفع وجهه نحو السماء، عيناه تشردان فى الافق نحو معسكرات الأعداء، ربما كان يتخيلها حطاما، يتخيل نفسه بطل النصر، أينتصر حقا على الإنجليز؟ وإن إنتصر وأصبح بطلا لمن يدين بهذه البطولة؟ لهؤلاء الشباب الفدائيين أم للإنجليز الأعداء؟ أغمض عينيه كأنما نام وهو واقف، ثم أطرق إلى الأرض، ربما اجتاحه شعور بالإثم وتأنيب الضمير، سؤال يدور فى عقله، أيمكن أن يكون بطلا دون وجود الإنجليز الأعداء؟ أحرجه السؤال فاستدار، لم أعد أرى إلا ظهره، وارتفع صوت الفدائى يمزق الصمت. - يا إخوانى، إن جبل سيناء معنا ضد الإنجليز، فقد ظهر الله فوق هذا الجبل لسيدنا موسى عليه السلام، اصطفاه الله من كل جبال العالم ليهبط فوقه، وهناك أيضا معبد سانت كاترين، والطريق الذى سارت فيه السيدة مريم مع سيدنا عيسى عليه السلام ويوسف النجار هاربين إلى مصر، هذا يا إخوانى جبل مقدس، الرمال فيه مقدسة، التلال والصخور تتربص بأعدائنا الإنجليز، وإذا كان الجبل معنا فان الله معنا والنصر معنا، وسوف تصبح هذه المعسكرات حطاما بإذن الله، نزيلها من الوجود، ونبنى مكانها جامعا ومئذنة يرتفع من فوقها صوت الحق، الله اكبر الله اكبر! دب الحماس فى الشباب، هتف بعضهم الله اكبر، فريق آخر راح يهتف: يحيا كفاح الشعب المسلح! وانطلقت أصوات أخرى تهتف النحاس النحاس! وارتفع شعار الهلال والصليب فى الجو، مع راية عليها سيفان يحملان المصحف الشريف، وراية أخرى مرسوم عليها المطرقة والمنجل، وعلم مصر يرفعه بعض الشباب. كان رئيس المعسكر واقفا من بعيد يتطلع اليهم، نصف وجهه العلوى يختفى تحت الكاسكيت، عضلات فمه مشدودة، يمسك ذقنه المربعة بأصابع متوترة، ربما كان يفكر أن معركته الأولى هى إخضاع هذه الفرق المتناحرة، ثم بعد ذلك يأتى إخضاع الإنجليز، أيكون إخضاع الإنجليز أسهل؟! هؤلاء الشباب الفدائيين ليسوا جنودا من أبناء الفلاحين الفقراء الجهلاء. إنهم طلبة فى الجامعات. رؤوسهم محشوة بالأفكار الجديدة، حرية الرأى، الاستقلال، الديموقراطية، العدالة الاجتماعية، هل تنفع هذه الافكار فى الحرب؟! الحرب ليس فيها إلا فكرة واحدة: الطاعة العمياء للأوامر وقتل العدو أينما كان! - كلما فرغت الدماغ من الأفكار أصبح الجندى أفضل. كان واقفا من بعيد مطرق الرأس كأنما يفكر فى هذه العبارة. الغبار الرمادى الأصفر يغطى الكون. العواصف الصحراوية تهب يعقبها نباح الكلاب، صوت طلقات الرصاص من بعيد، أهى بنادق صيد؟ هل خرج الإنجليز فى رحلة للصيد فى الصحراء؟ أم خرجوا مع كلابهم فى حملة استكشاف أوكار الفدائيين؟ كلابهم لديها جهاز عصبى حساس يعرف رائحة العدو، هذه الرياح الصحراوية قد تحمل رائحة الفدائيين إلى أنوف الكلاب، الرياح قادمة من ناحية الجبل، اينقلب الجبل ضد المسلمين ويصبح مع الإنجليز؟! والله أيضا أيمكن أن يتخلى عن المؤمنين ويصبح مع الكفرة؟ كان السؤال يدور فى رأسى وأنا واقفة أنتظر سائق اللورى. أتلفت حولى فى دهشة لا أكاد أعرف من أين جئت وإلى أين أمضى؟ الأرض مفروشة داخل الخيمة بقطع من فروة الخرفان. سرير من الصاج ترقد فوقه وديدة فوقها كليم من الصوف. طشت نحاس وإبريق ماء. تحت وسادتها المصحف الكريم، آية منقوشة تتدلى عند باب الخيمة، "إن ينصركم الله فلا غالب لكم". مقعد من القش المجدول. كنبة من البامبوه أو عيدان البوص المشغولة بأيدى النساء من البدو. حصيرة فوق الأرض من القش أو الجريد. كانت وديدة راقدة فى سريرها تحملق فى الظلمة. تنظر إلى أصابع يديها. أصابع شاحبة رفيعة تهتز فى الضوء الشاحب، ترسم على الجدار ظلالا سوداء على شكل أصابع، عيناها شاخصتان مفتوحتان لا يطرف لها جفن. سرت فوق جسدى قشعريرة. "وديدة!" ناديتها بصوت هامس، لم تتحرك شفتاها. تصورت أنها ماتت فى هذا الوضع. يدها اليمنى فوق صدرها، صغيرة ناعمة كأصابع الطفلة، خاتم الخطوبة يلتف حول إصبعها، يشع فى الظلمة ضوءا خافتا ذهبى اللون. بعد عام واحد من هذا اليوم كنت أمشى فى فناء مستشفى قصر العينى الجديد، رأيت وديدة تمشى منحنية الظهر ترتدى ملابس الحداد السوداء، تصورت أن خطيبها قتل فى الحرب، لكنها أجهشت بالبكاء، وهمست فى أذنى، يا ريته كان مات فى الحرب على الأقل كنت أفتكره بالخير، مسحت دموعها وصمتت، تصورت أن خطيبها تعرض لخيبة الأمل مثل أحمد حلمى، يحقن نفسه بالسم لينسى الخيانة، الحرب مثل وابور الطحين يا وديدة، إن لم تقتل الجسد قتلت الروح، يصبح الإنسان ميتا وإن عاش. أجهشت وديدة بالبكاء المكتوم، أنفاسها تتقطع مع كلماتها وهى واقفة فى فناء المستشفى: موت الضمير أفظع شىء يا نوال، والرجل الخائن للحب يخون الوطن أيضا. كان خطيبها من البوليس السياسى، تنكر فى زى الفدائيين، عاد من القنال سرا قبل حريق القاهرة 26 يناير 1952، إختفى عن خطيبته وديدة ستة شهور حتى قيام ثورة ضباط الجيش يوم 23 يوليو، ظهر إسمه فى الصحف بعد بضعة شهور، فتحت وديدة الجريدة ذات صباح، رأت صورته وخبر عن حفل زفافه إلى إبنة أحد رجال الثورة. كان الحفل ليلة عيد رأس السنة الجديدة أول يناير 1953. إرتدت وديدة ملابس الحداد السوداء. ابتلعت مائة قرص لونه أسود مع كوب من الماء. تمددت فى سريرها داخل عنبر الممرضات. أنقذوها فى المستشفى بغسيل سريع للمعدة، أجهشت بالبكاء حين عادت إلى الحياة. حاولت الانتحار مرة ثانية، أنقذها من الموت طبيب جديد فى سنة الامتياز. وقعت فى حبه وكفت عن الانتحار. بعد عشرة أعوام وأنا أمشى داخل حديقة الحيوان إلتقيت بأحمد حلمى وجها لوجه. كان ذلك فى يوم حار من صيف عام 1963. كنت أهبط فى الصباح الباكر من بيتى فى شارع مراد، أمشى مسافة دقيقة أو دقيقتين لأصبح فى شارع الجيزة، أمام باب حديقة الحيوان. لم أكن أدفع رسوم الدخول، أصدر الطبيب البيطرى للحديقة أمرا بإعفائى من الرسوم، قلت له أننى أكتب رواية طويلة جديدة، أن الوحى لايهبط علىَّ إلا وأنا أتمشى فى ممرات الحديقة، كان رسم الدخول خمسة قروش فقط، ليست لها قيمة الآن، كانت تبدو لى منذ سبعة وثلاثين عاما مبلغا كبيرا لا يمكننى دفعه كل صباح، وكان الطبيب البيطرى يتابع ما أنشره من قصص ومقالات. - وأيه عنوان الرواية الجديدة يا دكتورة نوال؟ - الباحثة عن الحب يا دكتور. لمعت عيناه الضيقتان لحظة خاطفة ثم انطفأ البريق. كأنما عادت إلى ذاكرته صورة من الماضى البعيد. كان رجلا قصيرا ممتلىء الجسم فى الخمسين، يبدو لى عجوزا وأنا فى مرحلة الشباب. كنت أقف أمام جبلاية القرود. تلفت حوله فى دهشة يتأمل وجوه الحيوانات، كان الشيمبانزى جالسا مربعا فوق جذع شجرة يشبه الإنسان. تركته واقفا يتأمله وسرت إلى حديقة الشاى. هناك كانت المنضدة التى أجلس إليها كل يوم وأكتب الرواية. أتسلى بمراقبة البط فى البحيرة الصغيرة. يسبح تحت أشعة الشمس الذهبية. يفرد أجنحته ويطير فوق سطح الماء، ينفض عن ريشة الرذاذ تتناثر من حوله القطرات اللؤلؤية، تشع ضوءا مثل ذرات تتساقط من الشمس. كنت أكتب الفصل الأخير من الرواية. كانت البطلة قد أعلنت لبطل القصة أن ما بينهما قد انتهى، وسألها بدهشة كيف ينتهى الحب؟ قالت، الحب ينتهى مثل زهرة تموت ولا تعود، مثل فراشة تطير فوق الزرع يقبض عليها الأطفال وتموت فى أيديهم، سألها، هل فى حياتك رجل آخر، قالت، ليس فى حياتى رجل آخر، لكن فى حياتى نساء ورجال كثيرون، بعد أن خرجت من خندق الحب إلى الحياة الواسعة. رفعت وجهى من فوق الأوراق، كانت الشمس قد مالت نحو الغرب. أسراب البط عادت إلى بيوتها. رأيت إلى جوارى شخصا واقفا. كان يرتدى قميصا أبيض. نظارة سوداء تخفى عينيه. إبتسم قليلا. تذكرته على النور. - أهلا يا أحمد. - إزيك يا نوال. لم تعد كلمة نوال بصوته تهزنى. لا شىء يدق تحت ضلوعى. لعب الزمن دوره فى نسيان الألم والحزن والفرح والحب. قميصه الأبيض أصبح مثل أى قميص. نظارته السوداء مثل أى نظارة سوداء، وإسمه أحمد حلمى أنطقه كأى إسم عادى. جلس معى بعض الوقت قبل أن ينصرف. طلبت له كوب شاى. قال: أتذكرين حين جلسنا هنا فى أول لقاء لنا منذ إثنى عشر عاما. كنت أذكر اللقاء الأول. لم تعد الذكرى تؤلمنى أو تفرحنى. جلست معه أشرب الشاى كما أجلس مع أى زميل أو صديق. أتكلم معه بحرية وسهولة. أصبحت العلاقة بيننا أكثر إنسانية. لم تعد علاقة بين رجل وامرأة. تحررنا من ثقل التاريخ والإرث العبودى القديم. جلست معه ودار الحوار بيننا أجمل مما كان. نكهة الشاى أصبحت أحلى مما كانت. أصبح أحمد إنسانا بعد أن كف عن أن يكون زوجى.

هناك 5 تعليقات:

liwo يقول...

成人電影,情色,本土自拍, 愛情公寓, 情色, 舊情人, 情色貼圖, 情色文學, 情色交友, 色情聊天室, 色情小說, 一葉情貼圖片區, 情色小說, 色情, 色情遊戲, 情色視訊, 情色電影, aio交友愛情館, 色情a片, 一夜情, 辣妹視訊, 視訊聊天室, 免費視訊聊天, 免費視訊, 視訊, 視訊美女, 美女視訊, 視訊交友, 視訊聊天, 免費視訊聊天室, 情人視訊網影音視訊聊天室, 視訊交友90739, 成人影片, 成人交友, 本土自拍, 美女交友, 嘟嘟成人網, 成人貼圖, 成人電影, A片, 豆豆聊天室, 聊天室, UT聊天室, 尋夢園聊天室, 男同志聊天室, UT男同志聊天室, 聊天室尋夢園, 080聊天室, 080苗栗人聊天室, 6K聊天室, 女同志聊天室, 小高聊天室, 情色論壇, 色情網站, 成人網站, 成人論壇, 免費A片, 上班族聊天室, 成人聊天室, 成人小說, 微風成人區, 色美媚部落格, 成人文章, 成人圖片區, 免費成人影片, 成人論壇, 情色聊天室, 寄情築園小遊戲, AV女優,成人電影,情色,本土自拍, A片下載, 日本A片, 麗的色遊戲, 色色網, ,嘟嘟情人色網, 色情網站, 成人網站, 正妹牆, 正妹百人斬, aio,伊莉, 伊莉討論區, 成人遊戲, 成人影城,
ut聊天室, 免費A片, AV女優, 美女視訊, 情色交友, 免費AV, 色情網站, 辣妹視訊, 美女交友, 色情影片 成人影片, 成人網站, A片,H漫, 18成人, 成人圖片, 成人漫畫, 情色網, 日本A片, 免費A片下載, 性愛, 成人交友, 嘟嘟成人網, 成人電影, 成人, 成人貼圖, 成人小說, 成人文章, 成人圖片區, 免費成人影片, 成人遊戲, 微風成人, 愛情公寓, 情色, 情色貼圖, 情色文學, 做愛, 色情聊天室, 色情小說, 一葉情貼圖片區, 情色小說, 色情, 寄情築園小遊戲, 色情遊戲情色視訊, 情色電影, aio交友愛情館, 言情小說, 愛情小說, 色情A片, 情色論壇, 色情影片, 視訊聊天室, 免費視訊聊天, 免費視訊, 視訊美女, 視訊交友, 視訊聊天, 免費視訊聊天室, a片下載, aV, av片, A漫, av dvd, av成人網, 聊天室, 成人論壇, 本土自拍, 自拍, A片,成人電影,情色,本土自拍,

غير معرف يقول...

تحميل اغنية منار محمود سعد اوعى تسب الدين
اغنية منار محمود سعد اوعى تسب الدين
منار محمود سعد اوعى تسب الدين
تحميل اغنية اوعى تسب الدين منار محمود سعد
تحميل اغنية اوعى تسب الدين

سما احمد يقول...

شركة صيانة مسابح بالدمام
شركة عزل خزانات بالدمام
شركة تسليك مجارى بالدمام
شركة تنظيف موكيت بالدمام
شركة تنظيف سجاد بالدمام

شركة تنظيف واجهات زجاج بالدمام
شركة تنظيف مجالس بالدمام
شركة شفط بيارات بالدمام
شركة تنظيف بيارات بالدمام
شركة عزل اسطح بالدمام
شركة مكافحة النمل الابيض بالدمام

شركة تنظيف قصور بالدمام

سما احمد يقول...

شركة مكافحة الفئران بالدمام
شركة مكافحة بق الفراش بالدمام

شركة نقل عفش بالدمام
شركة نقل عفش بالمدينة المنورة
شركة تنظيف واجهات حجر بالدمام
شركة تنظيف كنب بالدمام
شركة تنظيف اثاث بالدمام
شركة تنظيف شقق بالدمام
شركة تنظيف منازل بالدمام
شركة تنظيف مساجد بالدمام
شركة جلي بلاط بالدمام
شركة تنظيف مسابح بالدمام

سما احمد يقول...

شركة كشف تسربات المياه بالدمام
شركة تخزين عفش بالدمام

شركة تنظيف فلل بالدمام
شركة مكافحة الصراصير بالدمام