الأربعاء، نوفمبر 23، 2005

كلمة د. وفاء سلطان في مؤتمر الأقباط

الإخوة الأقباط المشرفون على المؤتمر السادة الحضور، أسعد الله أوقاتكم في البداية اسمحوا لي أن أتقدم بالشكر والامتنان للذين جهدوا لعقد هذا المؤتمر الذي نعلق عليه جل آمالنا والذين شرّفوني بدعوتهم واصرارهم على تواجدي اليوم معهم. وثانيا بالشكر والامتنان لهذا البلد العظيم الذي استضافنا وأحسن الضيافة. واسمحوا لي أن أتقدم بتحية اكبار واجلال لكل جندي أمريكي ولكلّ مواطن عراقي بذل ويبذل دمه ليزرع أول بذرة للحرية والديمقراطية في شرقنا الحبيب. أيها السادة الحضور أتساءل وأنا أقف امامكم في هذا المؤتمر وعلى هذه الأرض المقدسة، المقدسة لأنها مهبط حقوق الانسان وليست لأنها مهبط الأنبياء، أتساءل لماذا نحن اليوم هنا؟!! نحن اليوم هنا لننبش رؤوسنا من الرمال ولنواجه ضوء الحقيقة بعد أن أعمى زيفُ الخرافات والجهل بصيرتنا وعلى مدى أربعة عشر قرنا من الزمن! لاحريّة مع الجهل ولا عدالة في ظل الخرافات! عندما يكون الدين مقياسا لإنسانية الانسان، يحدّد حقوقه ويرسم مدى حريّته، لامهرب لك، ستصطدم مع هذا الدين عندما تحاول أن تحلق بعيدا في سماء انسانيّتك وعندما تطالب بحقوقك وبالاستمتاع بحريّتك. هذا هو حالنا في الشرق الأوسط! واذا رفضنا أن نواجه تلك الحقيقة في هذا المؤتمر فإننا لن نخرج بنتيجة أفضل من النتائج التي آلت اليها كلّ المؤتمرات. في شرقنا الأوسط لم تكن ديكتاتوريّة الحاكم اصل المشكلة، بل كانت ديكتاتورية الدين، ولم تزل، اصل كلّ مشكلة. ولا يمكن أن تنبت للحرية بذرة في وسط مازال الدين فيه السيّد المطلق! عندما اناقش تلك الفكرة مع أيّ مواطن امريكي ينتفض بسرعة البرق ويتراجع رافضا فكرتي، بحجة أن حريّة الدين من ابسط حقوق الانسان ولا يحق لي ان اتطاول على هذا الحق!! أنا والأمريكي لسنا مختلفين على احترام حرية الدين، ولكن أنا أعرف بأن مفهوم الدين في بلادي يختلف عن مفهوم الدين في بلاده بينما هو لا يعرف. هو يفهم الدين على أنه مجموعة العقائد التي تنظم العلاقة بين الانسان وربه ولا تتجاوز حدود تلك العلاقة. أما في بلادنا فللدين قرص في كل عرس. اذا الأزمة اليوم بين الاسلام من جهة والعالم كلّه من جهة هو الاختلاف في مفهومهما للدين. وعلى الجانبين ـ وفي محاولة للقضاء على الارهاب كأكبر مشاكل العصر أن يتفقا ـ على وضع تعريف جديد للدين! عندما يتفق المسلم وغير المسلم على تعريف الدين سيبدأ المسلم بالتراجع لاعادة النظر في عقائده وتعاليمه. الاسلام ليس دينا وحسب، بل هو دين ودولة! في الوقت الذي نطالب فيه باحترام الاسلام كدين، نرفضه وبشدّة كدولة! لايمكن أن نقيم دولتنا في ظلّ تعاليم تصر على عدم قبول الأخر بل وقتله. الدولة التي ننشدها في شرقنا الأوسط دولة للجميع لا تفرق بين مواطن وآخر إلاّ بمقدار ولائه لوطنه ولإنسانيته! عندما يتطاول الدين ليبرمج العلاقة بين الانسان واخيه الانسان ضمن اطر صلبة لاتقبل التغيير، لن يكون للانسان ايّ حق ولن يستمتع باية حرية. في ظلّ أيّة دولة تتبنى العقيدة القائلة: قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ورسوله.. لا يمكن أن تُحترم حقوق الانسان ولا أن تُصان حريّته، لأن تلك العقيدة انتهكت منذ البداية حقّه في أن لا يؤمن بالله! ناهيك عن حقّه في أن لا يؤمن برسوله! عندما يخرج علينا السيّد جورج بوش بقوله: الاسلام دين تسامح، هو ينطلق من مفهومه للدين بشكل عام وليس من المامه ومعرفته بالتعاليم الاسلاميّة. أنا أعرف بأنّ موقفه كسياسيّ يتطلب منه بعض الدبلوماسية، لكن تكرار تعابير كهذه ومن قائد لأعظم بلد في العالم يقوّض مصداقيّتنا نحن الذين خرجنا على تعاليمنا بعد أن اكتشفنا آثارها السلبيّة على حياتنا وحياة أجيالنا القادمة. هو عندما يفعل ذلك يخرب في لحظة واحدة ما نبنيه نحن العلمانيون في سنين. أيها السادة الحضور تعيش الطبقة العلمانيّة والاقليات في الشرق الأوسط اليوم حالة خوف كبير، والطامة الكبرى بأنها تخاف من الديمقراطية نفسها. ظنا منها بأن الديمقراطية تعني حكم الأغلبية والأغلبية تؤمن بشرعيّة القوانين الاسلامية. مسؤوليتنا نحن الذين نعيش في بلدان ديمقراطية ومن وحي تجاربنا الذاتيّة أن نصحح هذا المفهوم القاصر ونطمئن الذين يخافون من الديمقراطيّة بأن الديمقراطيّة فعلا تعني حكم الاغلبيّة، ولكن في ظلّ الديمقراطيّة لاتستطيع ايّة اغلبيّة أن تنتزع من الانسان ايّ حقّ من حقوقه. في ظل الديمقراطية عندما أكون وامتي على طرفيّ نقيضي، انني أمتلك الحق في أن اغيّرها بنفس المقدار الذي تمتلك فيه الحق بأنّ تغيّرني. وسيكون البقاء حكما للاقوى والاصلح! في ظلّ الديمقراطيّة أمّة على باطل لاتستطيع أن تغلب امرأة على حقّ. السيّدة الأمريكيّة روزا باركس التي ودّعها الشعب الأمريكي حزينا باكيا منذ اسبوعين وهي في طريقها الى الله كانت يوما على حقّ وكانت امريكا على باطل. وقفت في زمن كان السود فيه مواطنين من الدرجة الثانية وصاحت بالرجل الابيض أنا الذي احصل على حقيّ ولا أنتظرك كي تمنحني هذا الحق، رافضة ان تترك له مقعدها في باص للنقل الداخلي. ذاقت الأمرين اثر تصرّفها هذا، لكنّها في النهاية اعادت رسم خارطة امريكا لتدخل التاريخ من بابه العريض مضيفة الى سجّل ابطاله المدافعين عن حقوق الانسان وحريته اسما جديدا. للاخوة الاقباط تاريخ طويل من الظلم والاضّطهاد، وعليهم قبل غيرهم أن يدركوا تلك الحقيقة. حقيقة بأن الحق يؤخذ ولا يعطى! وهذا المؤتمر ان دلّ على شيء انّما يدل على حسن استيعابهم لتلك الحقيقة! صاحب السلطة لن يتنازل بسهولة عن سلطته. والذي يعاني من ظلم تلك السلطة هو المعني قبل غيره بالنضال لرفع هذا الظلم! علينا نحن المجتمعين في هذا المؤتمر أن نمتلك الجرأة الكافية لكي نفتح في تاريخنا سجلا جديدا نكتب فيه اسماء المدافعين عن حقوق الانسان وحريته في بلادنا التي ماعرفت يوما تلك الحقوق ولا استمتع انسانها بتلك الحريّة. نحن المعنيّون بتغيير خارطة تلك البلاد. الأجيال القادمة امانة في أعناقنا، لا نريد أن نورّثها ماورثناه من أحقاد وضغينة رحمة بها وبالعالم أجمع! الأقليّات، وكما قلت، بما فيهم طبقة العلمانيّين تخاف من الديمقراطيّة وقد نبرر لهم مخاوفهم عندما نسمع الأصوليين الاسلاميين انفسهم اليوم يطالبون بها. تلك هي اللعبة التي بدأوا يلعبونها اليوم. لا ضير من ذلك! ليس المهم من يبدأ اللعبة، بل المهم من ينهيها. هم بدأوها بالديمقراطية التي يظنّون بأنها ستصل بهم الى سدّة الحكم. وعلينا أن ننهي تلك اللعبة، ليس بالاحجام عن الديمقراطيّة، بل بمزيد من الديمقراطية لنسدّ عليهم الطريق للتفرّد بالحكم! نعم قد تجلب علينا الديمقراطية مشاكلَ، لكنّنا لا نستطيع أن نعالج تلك المشاكل الاّ بالاصرار على المزيد من الديمقراطيّة. تلك هي قواعد اللعبة، وعلينا أن نجيدها! أيها السادة الحضور: لا أستطيع كإمرأة ولدت مسلمة، عاشت وتربّت في بيئة مسلمة الا ان اتطرق في سياق الحديث عن حقوق الانسان وحريّته الى حقوق المرأة وحريتها التي تعتبر المدخل الى كلّ حق آخر. عندما تحرر المرأة يتحرر الوطن بأكمله. للحريّة اشكال كثيرة، والشكل الذي يعنيني هنا أكثر من غيره باعتباره بالنسبة اليّ كإمرأة الأهم. هو ان نحررها من المفهوم التي وصمها به الدين كناقصة عقل وحظ وايمان! لقد وقعت رهينة ذلك المفهوم فصارت تمجّده حتى غدا بالنسبة لها طريقة حياة. أبشع أنواع العبودية عندما يظنّ العبد نفسه حرا! المرأة في بلادنا تستنشق من عبوديّتها نسيم حريّتها. لقد انقلبت عندها المفاهيم وصارت عبوديّتها أعزّ حرياتها! تصحيح تلك المفاهيم لا يتمّ الا من خلال حكم يفصل بين الدولة والدين ويتبنى مناهج تعليميّة يحدّد صحتها ويبرهن على جودتها العلم وليس الدين. لا يمكن أن تحرر امرأة جاهلة. العلم هو الطريق الأسلم لتحريرها. عندما تتعلم بأنهّا قيمة انسانيّة غير ناقصة ستسعى بكلّ جهدها لاثبات تلك القيمة! كيف ستحرر امرأة تدافع حتى الموت عن حق زوجها في أن يضربها عندما ترفض أن تذهب معه الى الفراش، قبل أن تعلّمها آداب ذلك الفراش والحد الفاصل بين حقه وحقّها؟!! عندما تتعلم المرأة بأنها قيمة انسانية ستسعى للدفاع عن تلك القيمة. لكن مادامت تسلّم بأنّ الله صنّفها مع الغائط من حيث درجة تدنيسها للرجل بعد اغتساله تهيؤا للصلاة لن تستطيع أن تتجاوز حدود ذلك التصنيف! عندما نظرت الى السيّدة ساجدة الريشاوي التي كان من المقرر ان تفجّر نفسها مع زوجها داخل فندق راديسون في عمّان، عندما نظرت اليها خفّ غضبي وتنامى لدي احساس بالشفقة. مخلوقة احطت بها تعاليمها الى مستوى البهيمة او ربّما أدنى. قالوا لها طيعي زوجك كما تطيعين ربّك، وكل ما فعلته لم يخرج عن نطاق تلك الطاعة. لف زوجها حول خصرها حزاما ناسفا وقال لها اتبعيني، وانا على ثقة لن يصلوا في تحقيقاتهم مع هذه السيدة الى ابعد من ذلك لأنها لاتعرف ابعد من ذلك. في سياق التحقيقات الاولية قالت لهم: ركبنا سيارة بيضاء من العراق الى الاردن. هذا كل ما اسفر عنه التحقيق الاوليّ ولا أعتقد انّه سيسفر لاحقا عن شيء أهم. غنمة يقودها راعي الى المذبح وهي تتبعه باخلاص وولاء. جاءت لتمارس مع زوجها الارهابي ارهابه بعد أن تأكدت من سلامة غطاء رأسها الذي بموجبه ستدخل جنّة الخلد! والسؤال كيف سنعيد لتلك المخلوقات انسانيتها، كيف سنعيد لها ملكاتها العقليّة والفكريّة؟ مسؤوليتنا أن نحرر المرأة ليس من عبوديتها وحسب، بل من قناعاتها بأنها حرّة! مسؤوليتنا اعادة تأهيلها عقليّا وفكريّا واعادة خلقها تربويّا! اعادة التأهيل لاتتم الا من خلال الكلمة والكتاب. نحتاج الى نظام تعليمي تربوي لا علاقة لرجل الدين به. نريد استئصال الدين من كلّ كتب التعليم ماقبل الجامعي. نريد ان نبني عقولا حرّة، عقولا لا تشوّهها خرابيش أكل الزمن عليها وشرب. نريد ان نبني نفوسا نظيفة، لا مكان للحقد والضغينة فيها. أيها السادة الحضور. في دفاعي المستميت عن المرأة لم أعانِ من الرجل كما عانيت من المرأة. كانت الأسبق الى شتمي وتكفيري والدعاء لقتلي! ومع هذا يعزّ عليّ أن أتخذ موقفا معاديا لها. هي قضيّتي.. هي صليبي الذي أحمله على ظهري. لن أعاديها وسأظل خلفها حتى تعي مقدار قيمتها، ولتعلم كلّ النساء في وطني عندما يقف الله ضدّ المرأة سأقف ضدّ الله! نحن العلمانيون، وكل مخلص لتلك القضية التي نحارب من أجلها اليوم، لسنا قادرين على أن نخوض تلك الحرب الضروس وحدنا. على العالم المتمدّن الحر ممثلا بالولايات المتحدة الأمريكيّة أن يقف الى جانبنا ويدعمنا بكل قواه كي نصل الى حقوقنا المشروعة والاّ لن يكون النصر حليفنا. العالم اليوم قرية صغيرة ولا يستطيع الأمريكي أن يكون آمنا في بيته في فلوريدا مالم يكن المصري آمنا في قريته في الصعيد! لا أمن في بلاد لا تحترم حقّ كلّ انسان بغض النظر عن دينه وعرقه ووطنه! أمريكا كدولة عظمى معنيّة بمساعدتنا، وأنا كامريكيّة من اصل سوريّ اؤمن حق الايمان بقدرة امريكا وحسن نواياها حيال تلك المهمة! أشكر مرّة اخرى القائمين على ادارة وإنجاح هذا المؤتمر. أشكر امريكا البلد المضيف والمضياف. اشكر السادة الحضور والنصر لقضايانا! ******************* نقلا عن موقع : الناقد

لمشاهدة الدكتورة وفاء سلطان وهى تلقى كلمتها فى المؤتمر .. إضغط هنا

الأحد، نوفمبر 20، 2005

وإجتزت الإمتحان ... بنجاح

جزى الله الشدائد كل خير .. وإن جرعننى غصصا بريقى . وما مدحى لها حبا ولكن .. عرفت بها عدوى من صديقى ! . تمر المصائب والمحن على الإنسان ، فإما أن تضعفه وتلين من قناته ، وإما أن تدعمه وتذيد من صلابة ذاته ، وفى كل الأحوال تضعه أمام إختبار قاس وعسير ، إما أن ينجح فى إجتيازه ، وإما أن يخفق ويمنى فى ذالك بذريع الفشل ، وهى فى ذات الوقت تضع من حوله أمام إختبار آخر يصنفون - بالنسبة اليه - بعد إجتيازه الى عدو أو صديق . ولقد ساعدتنى المحنة التى جابهتها أخيرا على أن أفتح عينى على حقائق جديدة لم أكن أدركها قبل ذالك ، دعمت من موقفى ، وشدت من أزرى ، وجعلتنى أشد ثقة فى نفسى ، وأشد صلابة فى الدفاع عن رأيي - الحر- حتى وإن خالف مافرضه أهل الأرض - قاطبة - على أنفسهم ، ولقد ساعدتنى هذه المحنة فى الكشف عن بعض سرائر من حولى ، وأعطتنى القدرة على التمييز بين العدو والصديق ، وبين الشامت والمتعاطف ، وبين المخلص والمنافق ، من آحاد الناس الذين تربطنى - أو لا تربطنى - بهم صلات وروابط . لقد جعلتنى هذه المحنة أقيم ذاتى لأول مرة فى حياتى ، وأحكم لصالحها بإنصاف تام ودون أدنى قدر من الكبر أو التحيز ، بأنها إجتازت الإمتحان بنجاح ، بل بتفوق ، لقد نجح هذا الذى يسكن بين جنباتى فى إيصال رسالته بقوة ، وماقسوة المحنة إلا دليل على وصول الرسالة ، بل وتغلغلها فى عقول مستقبليها ، وإستفزازها لرواسب الماضى المتخلفة داخل هذه العقول ، والتى لم تستطع مواجهة هذه الأفكار الجريئة ، فما كان منها إلا أن صوبت ردة فعلها نحو مصدر هذه الأفكار ... وكان ما كان ! . إنه كلما إستفز الفكر مشاعر الناس كلما كان ذالك دالا على تمكنه من عقولهم ، وكلما كان رد فعلهم نحوه قاسيا كلما دل ذالك على أنه فى الطريق نحو إقناعهم ، فلقد حكم على سقراط بالموت مسموما .. ولا يزال أثره باقيا بيننا حتى يومنا هذا ، ولقد قام الغوغاء بسحل جسد هيباثيا فى شوارع مدينتى ( الإسكندرية ) ولا يزال ذكرها يتردد على ألسنة الكثيرين منا ، ولقد غدر أرباب الفكر بالمتطرف بالمفكر الشجاع صاحب العقل المستنير الدكتور فرج فودة ، ولا تزال كتاباته المحاربة للفكر الظلامى تسرى فى العقول المتفتحة يوما بعد يوم كسريان الماء فى الأرض الجدباء ... وهلم جرا . لقد نجحت ، ويكفينى فخرا أننى نجحت ، نجحت فى إثارة المياه الراكدة منذ أربعة عشر قرنا من الزمان ، نجحت فى إجتياز الأسلاك الشائكة التى وضعت على العقل العربى منذ القرن السادس الميلادى ، يكفينى فخرا أننى جعلت الناس يعيدون النظر فى المسلمات التى وجدوا أنفسهم ملزمين بالخضوع لها دون تفكير أو روية ، لقد منحتهم الفرصة كى يقرأوا النص المتمرد على العرف السائد ، أهديتهم الممنوع الذى يتحرقون شوقا ورغبة للإطلاع عليه ، وضعتهم على رأس طريق التحرر من الأفكار المهلكة التى أكل الزمان عليها وشرب . لم أتضايق عندما إنتقلت من سجن مصر الكبير إلى سجن مزرعة طرة الصغير ، ولم أتألم كون حرية جسدى فى الحركة تم تقييدها داخل حيز صغير ، وإنما كل ما آلمنى وضايقنى أن ما حدث لى منذ لحظة إعتقالى حتى وقت إطلاقى تم بغير إرادتى ودون أدنى رغبة منى ، ضايقنى أن دخلت السجن الصغير بجرة قلم من مسئول فى وزارة الداخلية ، وبعد أن بذلت جهدا نفسيا مضاعفا للتكيف مع وضعى الجديد وبدأت أعتاد عليه ، إذا بالطامة الكبرى تحل فوق رأسى عندما تم نقلى إلى السجن الكبير بجرة قلم من وزير الداخلية ، شعرت حينها أن أمرى فى تلك الفترة لم يكن بيدى وآلمنى أن تحولت فى تلك الفترة إلى مجرد خاتم فى أصبع غيرى يحركنى كيفما يشاء دون إستشارتى أو الإطلاع على رأيي . أنا لم أسجن ، فعقلى كان ولا يزال حرا من كافة القيود المادية والنفسية التى لم تستطع أن تمسه بسوء ، وإذا كان جسدى قد سجن فهذا ليس بجديد ، كل مافى الأمر أننى إنتقلت من سجن كبير إلى زنزانة تأديب ضيقة لأننى خرجت عن النص الذى تم إلزام سبعين مليون سجين مصرى به مخالفا بذالك العرف السائد داخل سجن جمهورية مصر العربية الكبير ! . لقد إكتشفت حريتى خلف الأسوار عندما الفيت عقلى يتحرك دون قيود متحررا من كافة الضغوط التى كان يجابهها خارج هذا المكان ، لقد كانت تجربة مثيرة ، خرجت منها أشد صلابة وقوة وأكثر إيمانا بذاتى وبقدرتى على تحدى الأقدار والتمرد على المسلمات وإعلان الحرب على الثوابت والتغيير نحو ما أراه أفضل . فظيع جدا أن يسلب إنسان حريته بسبب رأى له أو معتقد ، ولكن .. جميل جدا أن يكون إعتقاله هذا حافزا له للثبات على مبدأه ودافعا له للتحدى والتمسك بما يراه صحيحا حتى وإن خالف عرف ومعتقدات السواد الأعظم من الناس داخل حدود مجتمعه ، حيث لا يصح فى النهاية سوى ما كان صحيحا ، ولا يبقى إلا من يستأهل البقاء . عبدالكريم نبيل سليمان 20 / 11 / 2005 الإسكندرية / مصر

الاثنين، نوفمبر 14، 2005

تم إطلاق سراحى

تم إطلاق سراحى بالأمس بعد إعتقال دام ثمانية عشر يوما قضيت ستة أيام منها لدى إدارة مباحث أمن الدولة بالإسكندرية " الفراعنة " وإثنى عشر يوما فى سجن مزرعة طره العمومى بالقاهرة وأنا الآن بخير ولا يسعنى الآن سوى أن أتوجه بالشكر الى جميع من ساندونى فى محنتى الأخيرة ممن تربطهم علاقات صداقة بى ومن لم يلتقون بى على الإطلاق ، ولكن جمعنى بهم الإنتماء الإنسانى دون الإنتماء الفكرى- بالضرورة -، فأشكرهم من أعماقى وأتمنى للجميع دوام التوفيق ، وأعدكم أن أسطر فى القريب العاجل ذكرياتى عن سجن مزرعة طره ونزلائه الذين إلتقيت بهم .
عبدالكريم نبيل سليمان
الإسكندرية / مصر