الاثنين، يونيو 26، 2006

منال القبرصية تعرى مجتمع الذكور العربى

أرسلت إحدى الصديقات لى بالأمس موضوعا نشره موقع العربية مضمونه أن نسبة العنوسة بين الشبان المصريين أكثر منها بين الفتيات المصريات، وأن عدد الشبان الذين لم يتزوجوا فى مصر يفوق عدد الفتيات اللائى لم يلجن بعد إلى سجن الحياة الزوجية المؤبد بفارق مليونى شاب . لم يثر الموضوع أدنى إهتمام لدى ، لأننى دائما ما أعتبر مسألة إقامة علاقة جنسية بين شريكين مسألة إختيار مشترك بينهما ، وليس لذالك أدنى علاقة بأىٍ من مشكلاتنا المصيرية التى تقض مضاجعنا وتجعلنا نخشى خطورة آثارها المستقبلية . ولكن عند مراجعتى لتعليقات القراء المتضمنة لردود أفعالهم ، جذبنى بشدة تعليق لإحدى القارئات ، عرَّفت نفسها بإسم ( منال - مصرية قبرصية ) ، ذكرت من خلاله أنها طبيبة ناجحة فى عملها وتبلغ الخامسة والثلاثين من العمر ، وأنها لا تقبل فكرة الزواج من الأساس ، ولا تفكر فى إنجاب أطفال لأنها - على حد تعبيرها - تخشى تكرار مأساة والديها معها ، ثم ذكرت أنها تقيم علاقات جنسية غير ثابتة وتستخدم موانع الحمل ، وأنها تحب الأطفال طالما هم ليسوا أبناءا لها ولا توجد أى إلتزامات إجبارية منها نحوهم . إنتابتنى حالة من الذهول التام فور قرائتى لهذا التعليق ، ليس لأننى أستكثر على فتاة تنتمى لجذور عربية أن تفكر بهذا المنطق الحر الذى أشجعه للغاية ، وإنما لأن الموقع الذى سمح بنشر هذا التعليق معروف للقاصى والدانى أنه يخدم أفكارا معينة هى فى معظم الأحيان لا تخلو أن تكون أفكارا رجعية ساذجة متخلفة ، وتذكرت أن تعليقاتى كانت تحجب فى بعض الأحيان على هذا الموقع لعدم توافقها مع الخط الفكرى السائد فيه ، المهم أننى إستكملت القراءة ومطالعة بقية التعليقات ، وعندها فهمت السبب الذى دفع العربية للسماح بظهور مثل هذا التعليق ، فلقد شن الكثيرون من المعلقين من ذوى الرؤى المحافظة هجوما حادا على منال لأنها تجاوزت الخطوط الحمراء للمجتمع الذكورى العربى المتخلف ، وأخذت الحجارة الصماء ( وليست الردود العقلانية ) تنهال عليها من كل حدب وصوب ممن لا يجيدون سوى رجم من يمتلكون رؤى مستنيرة وأفكارا مفعمة بالحرية ، فبادرت من جانبى بكتابة تعليق أشيد فيه بما قالته منال وأعبر عن إعجابى وإحترامى لهذه الفتاة الشجاعة الحرة ولإختيارها الشخصى الذى تستحق أن نرفع لها من أجله قبعاتنا إحتراما وتقديرا من أجل صراحتها فى الحديث عنه ، وقلت أن منال قد قدرت ظروفها منذ البداية ورأت أنها غير مؤهلة لتحمل الأعباء والمسؤليات المتمخضة عن الزواج ، وقد إتبعت فى ذالك فلسفة المعرى الذى أبى أن يكرر خطأ والديه فى حق أولاد له آخرين رافضا فكرة الزواج مطلقا وموصيا أن ينقش على قبره :- هذا جناه أبى علىَّ ........ وما جنيت على أحد وقلت أيضا : إن السر فى نجاح منال فى عملها كطبيبة هو ماذكرته ضمنا فى تعليقها من أنها لم تكبت رغباتها الطبيعية وتستسلم لهجوم العقد والأمراض النفسية التى قد تنجم عن هذا الكبت والحرمان الجنسى ، وقامت بإشباع غريزتها بإقامة علاقات جنسية طبيعية غير ثابتة مع إستخدامها لوسائل منع الحمل لتفادى أية مسؤليات قد تنجم عن هذه العلاقات . وقلت كذالك : إن منال جديرة بتقديرنا وإحترامنا ، فقد كانت صريحة وشفافة مع نفسها ومع الآخرين فى زمن ساد فيه النفاق الإجتماعى والحياة المزدوجة والهروب من الحقيقة ، فقد أدركت أنها لا تصلح أن تكون زوجة وأما ، وأنها تستطيع أن تهب طاقتها لمجال عملها الذى تحبه ، ولا تستطيع أن تفعل ذالك مع زوج وأسرة وأبناء يرهقون كاهلها ويستنفذون طاقتها فى نشاط غير مجد بالنسبة لها ، وعلى هذا فقد إختارت طريقها فى الحياة ، ثم أوضَحتُ أن هذا النموذج - من وجهة نظرى الخالصة - ينبغى أن تقتدى به الفتيات العربيات وأن لا يسمحن للرجال بالتسلط عليهن وكتم أنفاسهن وكبت حرياتهن وإجبارهن على الخضوع والإستسلام لهم . وعندما راجعت الصفحة مرة أخرى لأتأكد من نشر تعليقى ومتابعة ردود الفعل الأخرى فوجئت بأنه لم ينشر ، فراجعت التعليقات مرة أخرى ، وهنا تملكت منى الصدمة ، فتعليق ( منال - مصرية قبرصية ) والذى وضعه المسؤلون عن الموقع تحت رقم ( 67 ) فوجئت به وقد حذف فجأة وحل محله تعليق آخر وكأنه لن ينشر من قبل تحت هذا الرقم ، وكأن المسؤلين عن موقع العربية قد خشوا ظهور جبهة تساند منالاً وتؤيدها من خلال موقعهم الذى لا ينشر سوى الأفكار الرجعية الساذجة الهدامة ، فبادروا بحذف تعليقها وبالتالى عدم نشر تعليقى . إن الحيادية فى وسائل الإعلام العربية غير متوفرة على الإطلاق ، مهما إدعى القائمون عليها ذالك وأقسموا عليه بأغلظ الأيمان ، فوسائل الإعلام العربية تعبر غالبا عن وجهة نظر أحادية الجانب ، إما أن تكون وجهة النظر التى تتبناها السلطة السياسية أو الطريق الذى يسير فيه القطيع الإجتماعى ( العامة ) لتوافقه مع تقاليده وأعرافه أو معتقداته الدينية ، ولا أجد سببا غير ذالك يبرر حذف تعليق منال وتعليقى على هذا الموضوع ، فعلى الرغم من أنها كانت قد عبرت عن حالتها الخاصة وإختيارها الذى عدته أكثر خصوصية بالنسبة لها ، وبالرغم من أنها لم تفرض ذالك على أحد غير ذاتها بل عرضته عرضا خالصا مجردا من أية تبعات أخرى ، إلا أن التطرق إلى مسألة الجنس فى مجتمعاتنا العربية بهذا القدر من التحرر لا يزال يعد كسرا لطوق المحظورات وهدما لأسوار التقاليد وتجاوزا للخطوط الحمراء العربية ، وهو الأمر الذى يقف له ممثلى المجتمع الذكورى العربى بالمرصاد حتى لا تنهار إمبراطوريتهم الذكورية الهشة المقامة على أجساد النساء وهياكلهن العظمية . فالتقاليد العربية البالية لا تزال تمنح الرجل سلطات إجتماعية واسعة النطاق ، وتعطيه الحق فى إمتلاك المرأة تحت ستار الزواج ، وربطها بالأسرة عن طريق إجبارها على الإنجاب ووتجريم الإجهاض وتحريم موانع الحمل ، وعندما تأتى فتاة فى مثل شجاعة منال لتعلن أنها لن تتزوج وستعيش حرة مستقلة غير خاضعة لإحتلال رجل ، وستشبع حاجاتها الجنسية بأساليب طبيعية دون أن تتحمل من وراء ذالك أية تبعات ، مشهرة بذالك فى وجه مجتمع الذكور سيف حريتها معلنة أنها كانت وستظل سيدة نفسها ولن تسمح لرجل - أى رجل - بالإعتداء على إستقلاليتها والإنتقاص من حريتها تحت أى مسمى كان ، وعندما تعلن عن سر نجاحها فى عملها وهى أنها تعيش حياة غير مزدوجة وتواجه إختياراتها الحقيقية - وليست المفروضة عليها من قبل المجتمع - بشجاعة وأنها لن تخفى وجهها الحقيقي عن من حولها خلف أية مظاهر إجتماعية خادعة زائفة . عندما تعلن منال ذالك فإنها تقفز فوق المحظورات والموانع الذكورية، وتعلن تحديها لحجارة ومدى شباب القبيلة العربية الذين ليس لديهم خيارات أخرى فى أمرها غير إغتصابها ورجمها ، إنها بموقفها هذا تهدم إحدى أهم اللبنات التى قام عليها هذا المجتمع المنهار داخليا . ولهذا لا يجب أن نستعجب أو نستغرب عندما يحذف موقع العربية تعليقها وتعليقى المؤيد لها ، فهو لا يعبر سوى عن توجهات مجتمع الذكور العربى الذى لا يرى فى النساء سوى كائنات خاضعة مهانة ذليلة تابعة ، ولا يتحمل رؤيتهن ناجحات ومستقلات عن سلطة ممثليه وسيدات لأنفسهن بلا تبعات أو مسؤليات يضعها عبئا فوق رقابهن للحيلولة بينهن وبين حريتهن . تحية من القلب خالصة إلى منال القبرصية وإلى كل فتاة عربية أبت أن تكون خاتما فى إصبع رجل أو دمية يعبث بها فوق فراشه ، وياليت كل نساء العرب مثلك يا منال ! .

كريم عامر

الخميس، يونيو 22، 2006

الأتقياء أكثر إحتلاما بجسد الشيطان !

العنوان ليس لى ، فهو كلمة للراحل " عبدالله القصيمى " وضعها كعنوان لأحد أبواب كتابه المعروف " هذا الكون ماضميره " والذى لا أزال أقرأ فيه منذ حوالى ثلاثة أشهر على فترات متقطعة ، ولم أنهيه حتى الآن ، فكلمات القصيمى يصعب على الإنسان أن يستوعبها من الوهلة الأولى ، ليس لصعوبتها أو عمق معانيها ، وإنما لكونها مباشرة وصادمة وباعثة على التأمل والشك ! . فى هذا الباب الذى إقتبست منه الفقرة التى أسرتنى لكونها تمس ما يحدث من حولنا فى الصميم ، من منع وحظر وأمر ونهى وتحريم وزجر من قبل من يزعمون أنهم مفوضون من قبل الإله لإصلاح أحوال أهل الأرض ، وهم فى داخلهم أفسق الفساق وأعتى الفجار كما يرى القصيمى .

لن أطيل أكثر من ذالك ، ففى حضرة القصيمى يجب علينا أن ننصت جيدا قبل أن نناقش على الرغم من أنه هو الذى يدفعنا الى التفكير الحاد والنقد اللاذع لنظمنا وقوانيننا وعقائدنا وآلهتنا وثوابتنا وتفاهاتنا وأنفسنا كذالك قبل كل شىء ، وهو الذى دعى الهيئات الدولية للقيام بعمليات تشكيك شاملة على المستوى العالمى ، لكى يدرك الناس من خلالها أن ما عندهم من الآلهة والمذاهب والعقائد والنظم والتفاهات ليس بأفضل ولا أصدق مما عند غيرهم كأسلوب من أساليب الدعوة إلى السلام والحب العالمى وخلق ظروفهما ، وأسلوب من أساليب مقاومة البغضاء والتعصب والحروب . يقول القصيمى فى نقد من نصبوا أنفسهم حكاما على سلوكيات الناس وضباطا لأخلاقهم :- " ... إن إحتقارنا الضاج أو المعبر للشىء ، ليس سوى إعلان عن إحساسنا العميق به أو بالحاجة والجوع إليه . ولهذا نجد دائما الدعاة الكبار الذين أرهقوا أو أذلوا تفكير الإنسان وأخلاقه بالتحريم وبالمناهى وبالشرائع التى كادت تحرم قدرة العين على أن ترى ، وقدرة الأذن على أن تسمع وقدرة الأعضاء على أن تشتهى ، وقدرة القلب على أن يجوع أو يخفق ، إنما كانوا - أى أولئك الدعاة الكبار - من المحرومين أو العاجزين أو المتهيبين . لقد أغرقوا السفينة التى لم يستطيعوا الركوب فيها ، وبصقوا على المائدة التى لم يستطيعوا الأكل منها - أى لقد حاولوا أن يفعلوا ذالك . إن الذين يأمروننا بالمعروف ، وما المعروف إلا حرمان فى الغالب ، ويسدون إلينا النصائح والعظات القوية ، وينهوننا عن المنكرات التى تعشقها نفوسنا ونفوسهم والتى لا يستطيعون أن يستفيدوا منها إنما هم فى الأغلب قوم تحركهم الغيرة منا لا الحب لنا ، إنهم يريدون أن يحرمونا مثلهم ، لا أن يدخلوننا الجنة .

ما أكثر المعلمين والأتقياء الذين تنهمر اللعنات الطيبة من أفواهمم على المرأة مثلا لأن تصوراتهم المحبوسة على نفسها تتزاحم فيها أسراب النساء المزدحمات أعضاء وفتونا وأسرارا أخرى ، بعيدة عن مواقع أيديهم وأشواط قدرتهم ، وما أكثر ما تنطلق لعناتهم على القوة والنجاح والمجد واللذة وسائر المباهج مغموسة بشهقات الشهوة والثناء المتنكر ، منبعثة منها روائح الحريق المتضرمة بأشلاء عفتهم وطهارتهم الباكية الحزينة . إنه لن يصاب بمرض البغض والعداء والوعظ المتوحش ضد اللذائذ والنجاح والقوة وسائر المباهج القوية إلا المصابون بالحب العاجز عن الممارسة . والذين يفعلون اللذة المحرمة لا يحبونها كما يحبها الذين لا يفعلونها . ولكن لماذا لا نستقيم من الداخل والخارج ، أو لماذا لا نستطيع ذالك ؟ لأن الإستقامة هى الا نصطدم أو نتناقض مع أنفسنا ومع الآخرين أو مع الطبيعة . وهل يمكن أن يكون هناك وجود بدون تصادم أو تناقض ؟ إذن هل يمكن أن نستقيم بسلوكنا أو برغباتنا وشهواتنا ونياتنا ؟ الوجود تصادم ، والتصادم ذنوب وتلوث .." ما إقتبسته كان الفقرة الأخيرة من الباب المذكور من كتاب " هذا الكون ما ضميره " ، وهو الكتاب الذى قيل أن العيب الوحيد فيه هو أنه أكبر من المجتمعات التى صدر فيها ! . توفى القصيمى قبل حوالى عشر سنوات فى القاهرة ، وعلى الرغم من آثاره الرائعة التى خلفها ورائه إلا أنه لم يحظى بالإهتمام الجدير به ، وتجاهله الكثيرون حتى أنخبر وفاته لم يهتم به الكثيرين لدرجة أننى أخبرت عندما كنت أبحث دون جدوى عن أى شىء يتناول حياة القصيمى أنه توفى فى ستينيات القرن الماضى فى ظروف غامضة ، وهو خبر غير صحيح على الإطلاق لأنه توفى فى التاسع من شهر يناير عام 1996 فى القاهرة ، وهو الأمر الذى إكتشفته عند قرائتى لتغطية موقع إيلاف - اليتيمة - لحياة القصيمى قبل ثلاث سنوات ! . وقد كان القصيمى فى أوائل عمره وهابيا منافحا عن الفكر السلفى ومدافعا عنه ، حتى أنه فصل من جامعة الأزهر فى الثلاثينيات لرده على كتاب لأحد أساتذتها ينقد فيه التوسل بالأولياء والتبرك بالأضرحة وهو الأمر الذى كان يدافع عنه " يوسف الدجوى " فى كتابه " التوسل وجهالة الوهابيين " والذى رد القصيمى عليه بكتاب آخر هو " البروق النجدية فى إكتساح الظلمات الدجوية " والذى تسبب فى فصله من الجامعة . ولكن القصيمى تحول - فكريا - بعد ذالك عندما دخل فى طور التحرر والشك فى الثوابت والموروثات ، والتى إتضحت فى كتابه " هذه هى الأغلال " وهو الكتاب الذى يعد وثيقة تحوله عن الفكر الوهابى إلى الفكر المتحرر المتشكك فى كل المفاهيم التى عدت ثابتة فى المجتمعات العربية . سجن القصيمى وتعرض لمحاولات إغتيال ، ولكن ذالك لم يثنيه عن الطريق الذى إختار السير فيه . حاولت كثيرا الحصول على أى من مؤلفات القصيمى دون جدوى ، فمكتباتنا العريقة أصبحت تهتم بنشر الكتب التى تحتوى على الغث من الأفكار المغيبة للعقل ، إلا أن الحظ إبتسم لى عندما وجدت ثلاثة من مؤلفات القصيمى فى رفوف مكتبة الإسكندرية : " كبرياء التاريخ فى مأزق 089.927 Q98 2001" ، " هذا الكون ما ضميره 146.3 Q98 2001" ، " فرعون يكتب سفر الخروج 113.8 " ، وكتاب آخر من فترة ماقبل التحول هو " الصراع بين الإسلام والوثنية 297.8042 Q98 1937 " . وقد إعتبرت هذه المؤلفات كنز يجب أن لا أفرط فيه خاصة أننى فشلت فى العثور عليها فى أى مكتبة أو معرض كتاب داخل مصر ... القصيمى يستحق أن يقرأ له ، لا من أجله هو ، بل لأنه يستفزك لكى تفكر فى كل شىء ، بل إنك تجده يدافع عن الفكرة ونقيضها بنفس الحماس لكلا الفكرتين المتناقضتين ، وهو أمر نفتقده عند الكثيرين من الكتاب الحاليين الذين قد نصنفهم على أنهم معتدلين لأن دفاعهم عن وجهة نظرهم دفاع معتدل غير حاد .. ليس إلا !!! ... القصيمى لم يمت ، وإن كانت هناك جهات كثيرة تسعى لقتله بتجاهل التراث الخالد الذى خلفه .

كما أن هناك من يحاول الإساءة اليه على إعتبار أنه ملحد ، وهو أمر ليس لأحد أن يتدخل فيه بحكم أن إيمان شخص أو عدم إيمانه أمر داخلى قلبى لا يمكننا الإحاطة به ، فى الوقت الذى لا يحق لنا أن ننتقص من إنسان حتى وإن كان عابدا للحجر ، وقد تعجبت من هجوم بعض المتطرفين الوهابيين الذين لم يجدوا شيئا يواجهون به القصيمى سوى التشكيك فى أصله والإدعاء بأن جده كان قد هاجر إلى القصيم من صعيد مصر أثناء الحملة التى شنها محمد على على الحركة الوهابية فى شبه الجزيرة العربية ! .

إن كان الأمر حقيقة - على الرغم من أن الإنسان فى كل مكان هو الإنسان - فلنفخر بأن القصيمى من أصل مصرى ، ولنفخر بأن البلد التى مات ودفن هى مصر ، وهنيئا لكم يا أعداء القصيمى براءتكم منه وهنيئا لكم وجود الشيخ عبد المحسن العبيكان صاحب فتوى جواز الإستعانة بالساحر لفك السحر بينكم .... وهنيئا لنا أن يكون القصيمى واحدا منا ...

كريم عامر

السبت، يونيو 17، 2006

تهديد جديد للإعلام المستقل : السلطات المصرية تمنع هالة المصرى من مغادرة البلاد

فى الوقت الذى تتساهل فيه الحكومة المصرية مع ناهبى المال العام وسارقى البنوك والمسؤلين عن مصرع مئات المواطنين الأبرياء فى عرض البحر ، وفى الوقت الذى يسمح فيه لممدوح إسماعيل وإيهاب طلعت وغيرهم بمغادرة البلاد دون عقاب على الجرائم التى إقترفوها بحق أبناء هذا الشعب ، يتم منع الناشطة الإعلامية المستقلة والكاتبة القبطية " هالة المصرى " من مغادرة البلاد للحيلولة بينها وبين حضور المؤتمر الذى تنظمه بعض المنظمات القبطية منتصف هذا الأسبوع بمدينة نيويورك الأمريكية . و " هالة المصرى " لمن لا يعرفها هى ناشطة قبطية فى العقد الخامس من عمرها ، تولت فى الفترة الأخيرة تغطية بعض الأحداث الطائفية فى صعيد مصر ، وقامت برصد بعض الإنتهاكات والتجاوزات التى تورطت فيها السلطات المصرية بالتواطؤ مع بعض الجهات الغير مسؤلة فى الإعتداء على منازل الأقباط ودور عبادتهم وسلامتهم البدنية وحياتهم كما حدث فى العديسات قرب الأقصر بجنوب مصر . كانت " هالة " تنقل الأحداث وتلتقى مع الأهالى معرضة نفسها للخطر فى مناطق تتميز بالحساسية الطائفية الشديدة فى سبيل نقل الخبر كما هو من مواقع الأحداث بعيدا عن الإعلام الرسمى الذى ألِف التعتيم على هذه الأنباء وتعمد تغافلها وكأنها تحدث على كوكب آخر ! . فرَّغت " هالة " نفسها تماما للهم القبطى وتفاعلت بشدة مع كافة الأحداث الطائفية والإنتهاكات التى يتعرض لها بنى جلدتها ، الأمر الذى جعلها تمثل غصة فى حلق النظام ورجال السلطة الذين حاولوا إستمالتها إلى صفوفهم بكافة الطرق إلا أنها رفضت بشكل قاطع وأبت أن يساومها أحد على وقوفها بجانب حق مواطنيها الأقباط فى حياة كريمة لا تنغصها هذه الإعتداءات والإنتهاكات التى يتعرضون لها من وقت لآخر ، فما كان منهم إلا أن وضعوها على قوائمهم السوداء ( البيضاء ) المليئة بأسماء الكثيرين من شرفاء هذا الوطن ، وحاولوا بأساليبهم المعهودة مع كل المعارضين تشويه صورتها وتلطيخ سمعتها ، ثم حاولوا طعنها فى الظهر بتلفيق التهم لها ، وتم القبض عليها من منزلها فى مدينة قنا بصعيد مصر قبل أكثر من شهر ووجهت لها العديد من الإتهامات المتعلقة بعملها الإعلامى ، كإتهامها ببث أخبار غير صحيحة والإدعاء كذبا بوجود إضطهاد للأقباط فى مصر وغيرها من التهم التى تثير السخرية على التغافل المتعمد للواقع المر على الساحة المصرية ، وتم الإفراج عنها بعد ذالك مع إستمرار التحقيقات معها . إن تلفيق التهم لـ" هالة المصرى " ومنعها من السفر لحضور المؤتمر القبطى يمثل إعتداءا صارخا من قبل السلطات المصرية على العاملين فى مجال الإعلام المستقل ، وتهديدا صريحا له ولكل العاملين في بأنهم سيكونون محلا للملاحقة والمسائلة . فلا يخفى على الكثيرين منا الكم الهائل من الإنجازات التى حققها الإعلام المستقل فى الفترة الأخيرة ، بتغطيته اليومية الموثقة بالصور والفيديو والتفاصيل للأحداث بصورة غير مسبوقة تحسده عليها الفضائيات والصحف ، وكشفه عن الإنتهاكات التى مارستها وتمارسها الحكومة المصرية بحق المتظاهرين والمعتصمين من مواقع الأحداث . إن قرار منع " هالة المصرى " من السفر يمثل إنتهاكا صارخل لحقوق الإنسان وحرية الكلمة ، ومساسا بمصداقية الإعلام المستقل ، وهو أمر لا ينبغى تجاهله أكثر من ذالك بعد الإعتداءات التى طالت الإعلاميين الذين رصدوا التجاوزات التى قام بها رجال الأمن بحق المعتصمين والمتظاهرين من إعتقالات وإعتداءات بدنية وإنتهاكات جنسية لممارستهم حقهم المشروع فى المطالبة برحيل مبارك ونظامه الفاسد . أناشد الأخوة القراء والكتاب ، والقائمين على المؤسسات القانونية والحقوقية من كافة الخلفيات الدينية والإثنية والثقافية التضامن مع السيدة " هالة المصرى " فى محنتها لممارسة ضغط إعلامى على النظام المصرى لإلغاء قرار منعها من السفر والسماح لها بالمشاركة فى فعاليات المؤتمر التى ستبدأ بعد أيام قليلة .

كريم عامر

الأربعاء، يونيو 14، 2006

" شيفرة دافنشى " .. وسقوط الأقنعة !

عنوان يحمل صدمة لكل مهموم بشئون هذا الوطن وكل مدافع عن الحقوق والحريات العامة وعلى رأسها حرية التفكير والإبداع ، فلا نستطيع أن نصف ذالك سوى أن المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية قد إختلفت وتشاجرت على كل شىء ، ثم إتفقت على التعاون سويا للوقوف فى وجه الأعمال الإبداعية الجديدة بدعوى أنها تسىء للأديان أو تخالف المعتقدات الدينية السائدة .
كانت البداية عندما إحتدمت أزمة فيلم " بحب السيما " قبل حوالى عامين ، وكان الأمر عبارة عن تحرك مضاد لتحرك متعصبى المسلمين ضد رواية " وليمة لأعشاب البحر " ، كل طرف من الطرفين يحاول أن يثبت أنه أكثر تطرفا من الآخر ، وأشد رجعية وتخلفا ، وبعدها بدأت عمليات التصدى للإبداع الفكرى والفنى تتوالى ، فمن أزمة " سقوط الإمام " لنوال السعداوى إلى " الوصايا فى عشق النساء " لأحمد الشهاوى ، إلى مسرحية كنيسة محرم بك وحتى أزمة رسوم الكاريكاتير الأكثر شهرة والتى فجرت أعمال عنف واسعة النطاق فى أنحاء كثيرة من العالم الإسلامى .
زال إستغرابى مؤخرا من موقف بعض الجهات المسيحية المصرية التى إنتهجت موقفا مشابها لموقف متعصبى المسلمين فى أزمة الرسوم الدانمركية ، وكأنهم يقولون لهم ما معناه " لا تنسوا موقفنا هذا !! " ، وكانت النتيجة وقوف بعض الجهات الإسلامية المصرية وبعضها من أكثر الجهات تطرفا مع فكرة مصادرة رواية " شفرة دافنشى " ومنع عرض الفيلم ، نجح التحالف ، وصار المبدعون هم الضحية ، فالكل يعزف الآن على هذه النغمة التى كانت نشازا قبل عقود من الزمن ، وأصبحت هى اللغة التى يجيدها الجميع .
الأمر لا يتعلق بجودة المادة الإبداعية أو ردائتها ، ولكنه يتعلق بحرية التعبير ، لا أتقبل أن تتدخل المؤسسات الدينية - الرسمية وغير الرسمية - فى عرض أو حظر أى عمل إبداعى ، إنها بذالك تتجاوز صلاحياتها ، فالدين له حدود ينبغى على رجاله أن يلتزموها ، وعندما يتجاوز الدين حدوده ويتدخل فى شئون السياسة والإقتصاد والثقافة ، عندها ستتحول مجتمعاتنا إلى منطقة ينمو فيها شبح الإرهاب والتطرف الدينى وتنتشر فيها جماعات العنف التى تتحرك تحت ستار من الدين ، وتقيد الحريات بإسم التعاليم الصادرة عن إله ما زاعمين أنها مقدسة يجب إتباعها والإلتزام بها فى كافة مسالك الحياة .
سقطت الأقنعة عن الجميع ، وإكتشفنا أن رجال الدين إسلاميون أو مسيحيون هم فى النهاية ليسوا سوى باعة وهم ، يجمع بينهم تغييب عقول الناس بالخرافات والدجل والماورائيات ، يرهبونهم بالعذاب الأخروى ، ويرغبونهم فى النعيم الأبدى بعد موتهم إن أطاعوا أوامرهم وساروا على نهجهم ، ويخيفهم ويرعبهم أن يظهر لهم من يقف فى وجه الوهم الذى يبيعوه للناس فى مقابل الجنات التى يعدونهم بها إن أطاعوهم وساروا خلفهم معصوبى الأعين ، يجمعهم هم واحد ، قطعنة بنى البشر ، وسلب عقولهم من أدمغتهم لأن إلههم الذى يتحدثون بإسمه هو الذى خلقهم وهو الذى يعلم مالذى يصلح لهم وقد رسم لهم طريقا ينبغى أن يسيروا عليه دون إعتراض أو رفض! .
تحركهم المصالح والتحالفات مع أصحاب السلطات السياسية ليشكلون فى النهاية صورة مستحدثة لنظم الحكم الثيوقراطية التى كانت تحكم الناس فى الماضى بفكرة التفويض الإلهى للحاكم الذى إختاره الله ليكون خليفة له على أرضه .
إنها مهزلة سخيفة أن تعلن دولة ما أنها دولة دينية ، سواء بإعتبار أن الشريعة الإسلامية هى مصدر رئيسى من مصادر تشريعها ، كما هو الحال فى وطننا المنكوب على أهله ، أو تطبيق بعض القوانين الدينية على أتباع طوائف معينة فى الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية وما شابه ذالك ، فمتطرفى المسلمين هم الذى أشعلوا جمرة التعصب الدينى فى هذا البلد الذى كان قبل نصف قرن من الآن مضرب المثل فى التعايش السلمى بين فرقائه الذين كان شعار " الدين لله والوطن للجميع " هو الذى يجتمعون ويتفرقون تحته ، كما أن التطرف المسيحى الذى نشهد بعض مظاهره هذه الأيام لم يكن له أن يظهر على الساحة لولا أن متعصبى المسلمين بدأوا العزف على هذه النغمة وصاروا يمثلون تهديدا لكل أتباع الديانات الأخرى ومن لا دين لهم داخل مصر .
إن بعض المسيحيين فى مصر يتصورون أن مواقفهم الحالية المضادة لمواقف التيارات المتطرفة ستكون كفيلة بحمايتهم من العنف والتطرف الإسلامى ، دون أن يدركوا أن مواقفهم المتطرفة على الجبهة المضادة هى بمثابة نصر كبير لأتباع التيارات المتطرفة الإسلامية التى تسعى إلى جذبهم لمنطقة الصراع ، فبدلا من أن يصبحوا أصحاب حق وضحايا لهجمة إسلامية بربرية متطرفة ، يصبحون فى نظر الجميع طرفا آخر من أطراف الصراع ، وحينها سيكونون قد أعطوا الفرصة سانحة للمتطرفين الإسلاميين لإعلان الحرب والقضاء عليهم وهو أمر من السهولة بمكان بالنسبة لهؤلاء المتطرفين الذين إما سيبيدونهم عن بكرة أبيهم أو سيجبرونهم عن الرحيل عن أرض آبائهم وأجدادهم ، لتفقد مصر عنصرا هاما من العناصر التى أسهمت على مر التاريخ فى بناء مصر المتعددة الأعراق التى لم يكن يفرق فيها حتى وقت قريب بين المسلم واليهودى - ناهيك عن المسيحى - ، وسيصبح يومها مسيحيو مصر أثرا بعد عين كما أصبح حال يهودها ...
فهل يستيقظ المصريون قبل أن تحرقهم نيران التطرف ؟؟!! .

السبت، يونيو 03، 2006

مجتمعاتنا .. وثقافة الموت

جريمة بشعة ، هزت أرجاء المنطقة التى أقطن فيها ، حدثت عندما أقدم أحد الشباب من معتادى الإجرام وهو تحت تأثير المخدر على طعن شاب فى مقتبل عمره عدة طعنات فى أنحاء متفرقة من جسده أودت بحياته على الفور ، كرد فعل لرفضه دفع إتاوة مالية ، وعندما أفاق من سكره سارع بتسليم نفسه إلى الشرطة حتى لا يفتك به الأهالى . وقعت أحداث هذه الجريمة العام الماضى ، وتكهن البعض إستنادا إلى حوادث مشابهة بأن الجانى سينال عقوبة بالسجن على إعتبار أن الجريمة سيتم توصيفها على أنها قتل عمد مع إنتفاء سبق الإصرار والترصد أو ضرب أفضى إلى الموت ، وأن الجانى كان غائبا عن وعيه لحظة إرتكابه للجريمة ، وسرت شائعات قوية مفادها أن شقيق المجنى عليه يخطط للأخذ بثأر أخيه من الجانى عقب إنتهاء مدة عقوبته فى حالة ما إذا عوقب بالسجن ، فى الوقت الذى أصيبت فيه الأم المكلومة بصدمة عصبية عندما فوجئت بالنهاية المأساوية التى لم تكن تتوقعها لولدها المتفوق فى دراسته والمقرب إلى قلبها . ومرت الأيام والشهور ثقيلة على الجميع قبل أن يصدر الحكم مؤخرا بإعدام الجانى ، وفور صدوره عمت الفرحة المحيط العائلى للفقيد ، وسارعت الأم بتوزيع الحلوى والمشروبات على المارة فى الشارع إبتهاجا بصدور حكم الإعدام بحق قاتل ولدها ! . * * * * * تقشعر أبداننا رهبة وهلعا عندما نسمع عن جريمة بشعة كالتى سقت بعض تفاصيلها أعلاه ، خوفا من تكرار حدوثها مع شخص آخر قد يكون أنا أو أنت أو أحد أقاربنا أو معارفنا أو أصدقائنا ، ففى زمننا الموحش أصبح كل شىء قابل للحدوث معنا أو مع غيرنا . ولكن مشاعر التعاطف الجياشة تجاه المجنى عليه وذويه ، ومشاعر الإشمئزاز والنفور مما أقدم عليه هذا المجرم ، يجب أن لا تحول بيننا وبين تحكيم عقولنا فى الأمر قبل أن نتسرع ونصدر أحكاما تقع خارج إطار صلاحياتنا . المجرم إنسان مريض .... معادلة لا أعتقد أن الكثيرين قد يختلفون معى حول دقتها مهما كانت خلفياتهم الدينية أو الثقافية ، فمن جهة ، لا أستطيع تجريد المجرم من هويته الإنسانية لمجرد أنه أقدم على قتل إنسان ، ومن جهة أخرى ، لن أكون منصفا إن قلت - فى أى حال - أنه إرتكب جريمته تلك فى وضع كان فيه سليما من جميع النواحى النفسية والعقلية والعاطفية والبدنية ، فالإنسان الطبيعى لا يمكنه أن يقدم على إرتكاب عمل ضد الطبيعة ، والإعتداء على الآخرين وإزهاق أرواحهم - على أى مستوى - هو بالضرورة تحد صارخ للطبيعة ، وبالتالى فإنه لا يصدر سوى عن إنسان غير طبيعى ، أى إنسان لديه خلل فى تركيبته النفسية أو العقلية أو العاطفية أو البدنية ، وهو ما يستلزم إخضاعه للعلاج وإعادة تأهيله إجتماعيا حتى يصبح عضوا نافعا فى مجتمعه . فعندما يتسبب خلل طارىء فى شىء مادى ذو قيمة عالية فى إحداث خسائر مادية أو بشرية ، فأعتقد أن الذى يحدث عادة ، أو الذى ينبغى أن يحدث ، هو أن يتم إصلاح هذا الخلل وليس التخلص من هذا الشىء ، وإذا كان هذا منطقنا مع الجمادات ، فمن باب أولى أن يعامل الكائن البشرى المختل بالمثل ، بعلاجه وإعادة تأهيله بدلا من إختيار الحلول التى نتوهم أنها سهلة ونعجل بالتخلص منه ظنا أننا بذالك نريح أنفسنا منه ، وما الأمر فى حقيقته سوى أننا نجعل المشكلات الناجمة عن وجود هذا الشخص تتفاقم ويستفحل خطرها لأننا لم نواجهها كما يجب أن نفعل بعقلانية وتفهم ، وإنما سارعنا - سواء كنا أفرادا أم سلطة إجتماعية - إلى تغليب عواطفنا والسير فى الطريق الذى تقودنا إليه مغيبين عن الوعى تماما كما كان هذا الشاب لحظة إرتكابه لجريمته . فما معنى أن يقدم شاب على قتل آخر لرفضه دفع مبلغ من المال كالحادثة التى نحن بصددها والتى نقرأ مثلها يوميا فى صفحات الحوادث ؟؟!. وما معنى أن ينتوى الشقيق الغاضب لمصرع شقيقه التخلص من القاتل بدعوى الأخذ بالثأر ؟؟!. وما مدلول تعبير الأم عن فرحتها بإعدام قاتل إبنها بتوزيع الحلوى والمشروبات ؟؟!. وماذا نستشف من مطالبة بعض أهالى الغرقى فى عبارة " السلام 98 " بإعدام مالك العبارة بحجة القصاص لذويهم الذين لقوا حتفهم فيها ؟؟!. وما معنى أن يعلن البعض شماتته فى مرض رئيس وزراء إسرائيل السابق ويتمنى له الموت فى أقرب فرصة بدعوى أنه تسبب فى مقتل الآلاف من العرب فى الحروب التى خاضتها إسرائيل معهم ؟؟! . وما معنى أن يهاجم شاب مسلم رواد كنيسة قبطية فى يوم عيدهم ويقتل واحدا منهم لأنهم يخالفونه فى المعتقد الدينى ؟؟! . ومالذى الذى يمكننا أن نتلمسه فى دعاء بعض الخطباء على المنابر يوم الجمعة على من يخالفونهم فى التوجه الفكرى أو العقائدى : " اللهم كسِّر أقلامهم ، وأخرس السنتهم ، ويتم أطفالهم ، وعقم أرحام نسائهم " ؟؟!. وما معنى أن يطلب أحد الكتاب الذين يعيشون فى الخارج من أقباط مصر الذين تظاهر بعضهم إحتجاجا على مقتل أحدهم أمام إحدى كنائس الإسكندرية بالرد على جريمة القتل تلك بقوله : " يضربون كنيسة.. اضربوا مسجداً.. يقتلون منكم خمسة اقتلوا منهم عشرة " ؟؟! . وما مدلول الفتوى الدموية التى أصدرها مفتى الديار المصرية مطالبا بتصفية المتطرفين الإسلاميين جسديا ؟؟! . بل الأهم من كل ذالك ، حيث أن كل ما سبق قد نعده تصرفات فردية غير مسئولة ، ما معنى أن تكون هناك نصوصا قانونية يحكم بموجبها على بعض الأشخاص بإزهاق أرواحهم تحت دعاوى القصاص أو إقامة الحدود أو عقوبة الخيانة العظمى ؟؟! . إنها الهمجية فى أبشع تجلياتها عندما يتحول المجتمع بأفراده وسلطته إلى جلادين وحفارى قبور ! . فمالفرق بين من تعلن فرحتها لمصرع ولدها أثناء تنفيذه لعملية إنتحارية ضد مدنيين أبرياء عُزَّل مطلقة زغاريدها الهيستيرية ، وبين من تقوم بتوزيع الحلوى والمشروبات إبتهاجا لمقتل إنسان ينقصه التأهيل الإجتماعى ؟! . إننى أدرك جيدا كم هو مؤلم وفظيع ومأساوى أن أجد أحد أصدقائى أو المقربين منى صريعا دون ذنب أو جريرة سوى أن مجرما أو إرهابيا إعترض طريقه ، بنفس القدر الذى أدرك به فظاعة أن يدفعنى موقف كهذا للتردى فى هاوية لم يبلغها المجرم نفسه حال إرتكابه لجريمته بالإعلان عن فرحتى وإبتهاجى لأن عشماويا ينتظره فى غرفة الإعدام . فالحزن والتألم مشاعر إنسانية صرفة ، ولكن المبالغة فيهما لدرجة تحويلهما إلى رغبة عمياء فى الإنتقام والثأر لا يمكن أن أعتبرها سوى إستعارة لسلوكيات حيوانية صرفة تجعل المجتمع ككل فى حاجة هو الآخر إلى إعادة تأهيل . فإصدار حكم بإعدام شخص ما ، يعد إعترافا ضمنيا من السلطة الإجتماعية بفشلها فى حل مشكلة هذا الشخص ، ليس هذا لأن مشكلته بلا حل ، بل لأن السلطة الإجتماعية لا تفكر سوى فى الحلول السهلة التى تتوهم أن مفعولها سريع وأنها ستريحها من عناء الإهتمام بتأهيل هذا الإنسان المجرم ، دون أن تدرى أنها بذالك تعقد الأمور عليها أكثر إلى جانب أنها تعطى لنفسها حقا لا يدخل فى إطار صلاحياتها ، فكما أن المجتمع لا يهب الإنسان حق الحياة ، فبالتالى ليس من حق أفراده أو سلطته الإجتماعية أن تسلبه إياها ، وإن فعلت ذالك تحت أى ذريعة أو حجة ، فإن ذالك يعد إنتهاكا لحق لصيق بالإنسان هو حق الحياة ، الأمر الذى يوجب علينا أن نفكر فى طريقة نعيد بها تأهيل هذا المجتمع بشكل كامل ، ليدرك أن إزهاق الأرواح أمر تختص به الطبيعة التى وهبت الحياة للإنسان ، وبالتالى فإن ذالك لا يدخل ضمن صلاحيات أحد غيرها ، حتى وإن كانت السلطة الإجتماعية ، التى وجدت فى الأساس لتنظيم علاقات الأفراد بعضهم ببعض داخل المجتمع ، وليس للتخلص منهم وإعدامهم .

كريم عامر