الجمعة، نوفمبر 24، 2006

رسالة من خلف القضبان 3

بعد مجهود طويل و تعب, توصلت إلى حقيقة -لا مفر منها- مفادها أن استخدام الإنسان لعقله و تعبيره الحر عن رأيه -في بلادنا- أخطر بكثير من إعتداءه على ممتلكات الغير أو اتجاره في السموم و مغيبات العقول؛
كانت <روضة> -كعادتها- في إنتظاري عندما ذهبت إلى جلسة التجديد الثانية يوم الأربعاء الماضي, لا أعرف كيف أشكرها على مساندتها لي في هذا الظرف الحرج خاصة أنها تحضر من القاهرة خصيصاً لحضور جلسات التجديد معي, و لكن موقفاً حدث لي قبل أن التقيها أثناء تواجدي في حجز نيابة محرم بك, كانت يدي اليسرى مقيدة بيد سجين آخر متهم في قضية سرقة عندما بادر المسؤل عن مقر الإحتجاز بتفتيشنا, إستخرج الرجل قلمي و انحاه جانباً مصادراً اياه فإعترضت بشدة لإدراكي أن الأقلام ليست من الممنوعات التي لا يجب علي الإحتفاظ بها, و حدثت مشادة كلامية بينه و بيني إنتهت بتعامله معي بعنف و دفعني بكلتا يداه مع السجين الآخر نحو سلالم الحجز, هوينا سوياً لعشر درجات متوالية و أدى الإرتطام العنيف إلى إحداث خدش طفيف بالقرب من رسغ يدي اليمنى, و تورم ملحوظ في قدمي اليمنى أدى إلى صعوبة سيري عليها وقتها, و إن كان الألم قد بدأ يخف عنها الآن
قبيل الجلسة أخبرتني <روضة> أن <سارة> و <هيثم> سيلتقون بي, حضرت <سارة> بعد لحظات تبعها <هيثم> و تحدثت معهما لبعض الوقت قبيل أن ينادى عليَّ للدخول إلى مكتب قاضي المعارضات, حاولت أن أشرح له ظروف احتجازي السيئة و كيف أنني أعيش في مكان واحد مع المجرمين و اللصوصو مدمني المخدرات و بعضهم لا يتورع عن فعل أي شيء في مقابل سيجارة يدخنها أو قرص مخدرات يتعاطاه, و طلبت <روضة> منه إطلاق سراحي على إعتبار أنه لا خوف عليَّ من الهرب, فأنا الذي ذهبت بنفسي إلى النيابة للتحقيق معي و لم يتم ضبطي و إحضاري, و لكن الرجل لم يابه بكل هذا و قضى عليَّ بالحبس لخمسة عشر يوماً أخرى
قامت <روضة> -مشكورة- بإستئناف قرار الحبس هذا و حضرت معي في اليوم التالي (الخميس) جلسة إستئناف قرار التجديد بمجمع المجاكم بالمنشية, و كان <شبح> مقال محرم بك لي بالمرصاد ووجهت بإحدى فقراته خلال الجلسة و إنتهى الأمر بقبول الإستئناف شكلاً و رفضه موضوعاً و تأييد حبسي لخمسة عشر يوماً تنتهي في السادس من شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل, و انهى القاضي حديثه معي بالقول: أنت ممن قيل فيهم <ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة و لهم عذاب عظيم>!!!, و إتضح لي أن القاضي يتعامل معي من منطق ديني صرف في الوقت الذي يفترض فيه أننا نعيش في دولة مدنية لا علاقة و لا صلة تربط بين الدين و القوانين المطبقة فيها و لكنه الغلغل المقيت للتيارات الدينية المتطرفة في المؤسسات الرسمية و الذي بدا لي جلياً من موقف وكلاء النيابة في محرم بك و القضاة الذين أيدوا حبسي. عليَّ إذن قضاء فترة أخرى في حجز القسم أنا على يقين أنها ستطول لتعنت القضاة ضدي و مواقفهم المنطلقة من قناعتهم الدينية ضد من يختلف عنهم بصددها, فكما حاولت التكيف مع الأمر في البداية عليَّ أن أعوِّد نفسي عليه لفترة قابلة للزيادة, و عليَّ أن أحتمل المشاهد الكفيلة بتحطيم الأعصاب و التي أراها يومياً حولي في صورة أشخاص دمرتهم المخدرات و حولتهم إلى أشباح تسير على قدمين, كما علي أن أحتمل مشاهد إيذاء البعض منهم لأنفسهم للهروب من الترحيل إلى السجن و التي تجلت أبشع صورها في حقن أحدهم لنفسه بحقنة ملوثة بالبراز في قدمه و هو الأمر الذي كاد أن يتسبب في تلفها لولا أنه نقل إلى المستشفى بعد إستئذان النيابة و علاجه, و آخر حاول كسر يده عن طريق إغلاق باب الحجز الحديدي عليها, و آخر قام بابتلاع قدر لا بأس به من الأمواس و المسامير المعدنية
و عليَّ أيضاً أن أتحامل على نفسي و أقلل قدر الإمكان من تناول الطعام حتى و إن أدى الأمر بي لتنفيذ إضراب غير معلن حتى أتفادى إستخدام دورات المياه القذرة قدر الإمكان و التي لا أجدها تصلح على الإطلاق للآدميين. عليَّ بكل -بساطة- أن أعيش حالة من الكمون أو البيات الشتوي حتى أجعل أيامي تمر على خير في هذا المكان الذي أدرك تمام الإدراك أنني لا أستحق المكوث فيه للحظة واحدة, و لكني -مع الأسف الشديد- أوجِدت في المكان الخطأ, حيث يعامل من يحرر عقله من القيود التي يفرضها من حوله عليه معاملة المجرمين و من يمثلون خطورة كبيرة على الأمن العام للبلاد و عليَّ أن أتحمل حتى تنتهي هذه المحنة التي لم و لن أكون أول أو آخر من يتعرض لها طالما ظل هذا الوضع الوأسوي المؤسف في بلادنا على ما هو عليه
دائماً تصلني عن طريق بعض الأصدقاء الذين يزورونني في القسم أو من ألتقي بهم أو أهاتفهم خلال جلسات التجديد تحيات بعض الأصدقاء الآخرين الذين يعيشون خارج مصر, و قبل جلسة التجديد الأخيرة وصلتني من الصديق التونسي العزيز <عماد حبيب>, عاتبني فيها على تمسكي بمواقفي في هذا التوقيت الحرج أمام من لا يقدرونها و طلب مني أن أفعل ما بوسعي كي يطلق سراحي, في الحقيقة أثرت في الرسالة كثيراً و لكنني فيما بعد أدركت أن الأمر لم يعد في يدي, فنيَّة الإنتقام مني مبيتة من قبل القضاة الذين ينظرون في قضيتي و التي تحولت على أيديهم إلى نوع من الجهاد ضد إنسان لا يملك سوى قلم عبر به عن رأيه الحر دون أن يضع في إعتباره أية ثوابت أو مسلمات, فهذه هي جريمتي التي أفخر بارتكابها, و قد يتصور بعضهم أن مثل هذه الإجراءات العتيقة قد تجبرني على العدول عن مواقفي و هو تفكير سطحي للغاية حيث أنها لا يمكن أن تتغير إلا عن طريق الإقتناع الكامل بضرورة تغييرها, كما أن القمع لا يمكن أن يؤتي ثماره مع من يضع عقله قائداً له و محركاً لأفكاره, و الأمثلة على ذلك كثيرة و لست أول من يثبت على ما هو عليه رغم المعاناة و الظلم و الألم
أتمنى مغادرة هذا المكان في أقرب وقت, حتى و إن كانت مغادرتي إلى السجن, فلا أعتقد أنه سيكون أسوأ حالاً من هذا المكان اللاآدمي, فعندما إعتقلت العام الماضي لم بكن الأمر سيئاً كما هو معي الآن, أتمنى أن يحدث المستحيل و أتحرر في أقرب وقت فلم أعد أحتمل أكثر من ذلك, أخشى أن يصيبني مكروه هنا خاصة أنني في مكان يسهل فيه إنتشار الأمراض المعدية و لا يدخله الهواء النظيف إلا بالكاد, أصبح الأمر فوق كل الإحتمالات خاصة أن أحد الضباط طلب مني الإنتقال إلى الغرفة المزدحمة التي كنت فيها في بداية الأمر و إنتقلت بالفعل, أخشى أن يصل بي الأمر إلى فقدان الرغبة كلياً في الحياة و لست معتاداً على تقييد حريتي في مثل هذه الأماكن القذرة الغير صالحة للحياة الآدمية على الإطلاق
من حجز قسم شرطة محرم بك
عبد الكريم نبيل سليمان
الجمعة 24\11\2006م

الاثنين، نوفمبر 13، 2006

رسالة من خلف القضبان 2

مضى على حبسى حتى الآن أسبوع كامل , كنت أتوقع الأمر منذ فترة كبيرة ,فمن عادتى فى الحياة أن أوطن نفسى على أسوأ الإحتمالات حتى لا أصدم أو أنهار , أشهد لنفسى أنها كانت فى قمة معنوياتها خلال تلك الفترة التى لم أشعر فيها بمرور الوقت خلالها كثيرا على الرغم من قلة وسائل الترفيه و قتل الوقت الذى حاولت بقدر الامكان استغلاله فى تجاذب الحديث مع من حولى و محاولة بث الأمل فى بعض اليائسين منهم و تصفح بعض الجرائد التى تأتى لبعض النزلاء , هذا مع العلم أننى الوحيد فى الحجز كله المحبوس على ذمة التحقيق فى قضية رأى , فغالبية الاتهامات الموجهة الى رفاقى فى الحبس تتمحور حول السرقة- بكافة أشكالها- و الاتجار فى المخدرات , و هو الأمر الذى أشعرنى بتميزى بدرجة ما عن من حولى بالرغم من أن هذا لا يعنى شيئا فى الحبس , فكلنا فى الحجز سواء فى المعاناة, و ربما يكونالمصير الذى ينتظرنى أسوأ مما ينتظر البعض منهم ممن اعتادوا على الولوج الى هذا المكان!
ينقسم المكان المخصص للحجز الاحتياطى بقسم شرطة محرم بك حيث أحتجز الى طابقين , يحتوى الطابق العلوى على غرفة مخصصة لإحتجاز المعتقلين السياسيين بقرارات صادرة من مباحث أمن الدولة , و فى الطابق السفلى (تحت مستوى سطح الأرض) أربعة غرف, إثنتان منهما مخصصتان لحجز الاحتياطى بقرارات من النيابة العامة , و غرفة لحجز النساء , و غرفة أخيرة لمن صدرت بحقهم أحكام بالسجن و ينتظر ترحيلهم لقضاء فترة العقوبة. ء
قضيتأسبوعا كاملا فى احدى غرفتى الحجز الاحتياطى قبيل أن أضطر – بالأمس – للإنتقال للغرفة الثانية عقب أن واجهت صعوبات فى التكيف مع نزلائها الذين لمست تغلب الهمجية و عدم احترام خصوصية الآخرين و التدخل فيما يعنيهم على طباعهم, فبالرغم من اضطرارى الشديد من الاقلال من الطعام حتى لا أضطر لإستخدام دورة المياه الملحقة بالغرفة كثيرا , و التى هى بالإضافة الى قذارتها المتناهية و عدم لياقتها للإستخدلم الآدمى تخلو من مزلاج يغلقها من الداخل على من فيها, وكان من المألوف أن أجد عدة أشخاص يستخدمونها فى وقت واحد و يعدون ذلك تصرفا طبيعيا لا غرابة فيه, فكنت أضطر فى الأوقات القليلة التى كنت أستخدمها فيها أن أطلب من أحد النزلاء مراقبة الخارج و منع أى شخص من الدخول الى دورة المياة حتى أخرج منها, و يبدو أن الأمر أثار سخرية البعض الذين عمدوا الى استغلال سلوكى هذا لافتعال نوع من الهزار الثقيل معى غير عابئين بعدم تقبلى له على الإطلاق, ففوجئت أثناء ائتمانى أحدهم على مراقبة باب دورة المياه أثناء تواجدى داخلها بإثنين من نزلاء الحجز يدفعون الباب و يحاولون الدخول , فوجدت نفسى أصرخ بشكللاشعورى الأمر الذى إضطرهم للرجوع و اغلاق الباب. ء
خرجت حانقا مما حدث, خصوصا أننى اكتشفت أن زميلى الذى طلبت منه مراقبة دورة المياة كان متواطئا معهم, و اضطررت للانتقال الى غرفة الحجز الأخرى المقابلة الهادئة البعيدة تماما عن مشاغبات هؤلاء و مهاتراتهم لاحتوائها على عشرة نزلاء فقط فى مقابل ما يربو على الثلاثين فى الغرفة المقابلة.. ء
أكتب هذه الكلمات, و شعاع شمسى " يتسلل خلسة" الى الغرفة الصغيرة الهادئة التى استقررت أخيرا فيها, فى الغرفة الأخرى لم نكننعرف التوقيت الا من خلال الساعات, قضيت الليل بأكمله بالأمس و أنا أتصور أن النهار لم يمر بعد !, لم تكن هناك دلائل أخرى لتحديد الوقت ما لم نعرفه عن طريق الساعات, يبدو أن شعاع الشمس اليتيم هو الآخر فى طريقه الى الانزواء, بل لقد انزوى بالفعل, و لكن النافذة ذات الأسلاك المطلة على الفضاء الرحب ستتكفل باطلاعى على ما مضى من الوقت و ما تبقى منه, و هو ما كنت أفتقده فى الغرفة الأخرى التى لا تشبه سوى مقبرة جماعية يدفن بها الناس و هم على قيد الحياة !ء
خرجت من القسم الى الخارج مرتين خلال الأسبوع المنصرم أولاهما عندما ذهبت لجلسة التجديد و التى حدد القاضى فيها حبسى لخمسة عشر يوما, و الثانية يوم السبت الماضى عندما أدرج اسمى ضمن قائمة تضم عدة نزلاء كتب عليهم الترحيل الى سجن الغربينيات بمنطقة برج العرب, فى المرة الأخيرة حملنا أمتعتنا و حاجياتناو تم حشرنا فى سيارة ترحيلات محملة بمحتجزين آخرين من أقسام شرطة أخرى, انطلقت بنا السيارة و وصلت بنا بعد فترة تربو على الساعة الى سجن الغربينيات. ء
دخلنا الى السجن فى جو من المعاملة اللاإنسانية المهينة, و اجبرنا على خلع ملابسنا إلا ما يستر عوراتنا لتوقيع الكشف الطبى الروتينى علينا, ثم استدعانى أحد الضباط و سألنى عن الاتهامات التى وجهت لى فى النيابة, و عندما أجبته فوجئت بهم يطلبون منى اعادة ارتداء ملابسى المدنية مرة أخرى و يعودون بى الى قسو شرطة محرم بك فى سيارة الترحيلات ! ء
شاهدت بعينى فى هذا اليوم كيف يعامل السجناء الواردين توا من السجن, كانوا يوجهون لهم أقذع السباب و الشتائم, و كانوا يضربون بعضهم بمواسير بلاستيكية غليظة كانت تترك علامات دامية فوق أجسادهم, بدا لى المشهد أشبه بعملية سوق لبهائم نحو مكان لاحتجازهم و ليس تعاملا مع بشر قد يكون بعضهم جنح بعض الشئ , و لكن هذا لا يسقط عنهم صفة الآدمية بحال من الأحوال. ء
سيتم عرضى مرة أخرى على قاضى التجديد يوم الأربعاء الموافق 22\11 , و لا أعرف ما إاذا كان سيتم تجديد حبسى مرة أخرى أم لا, و لا أعرف ما إذا كانت القضية ستحفظ أم سيتم تحويلى الى المحاكمة و مواجهة السجن, و لكننى على أية حال لا أهاب الأمر مهما كانت النتائج, فلم أرتكب ما يجعلنى أشعر بالندم, على العكس, أنا فخور أيما فخر بما فعلت, و ليس بمقدرة أى قوة فىالعالم أن تجبرنى على التراجع و الاستسلام, كما أن التساؤل الذى أطرحه على نفسى بشدة كلما حاول اليأس التسلل الى داخلى : ما الذى سلبوه منى بعد أنحوه لى كى أشعر بالندم على فقدانه؟, إن غبائهم المطلق قد جعلهم يتصورون أنهم سلبوا منى حريتى عقابا لى على التعبير عن رأيى؟ و هل كانوا قد منحونا الحرية من الأساس حتى يتمكنوا من سلبنا إياها؟! مصر لا تمثل لى سوى سجن كبير, صحيح أننى أتحرك بقدر لابأس به من الحرية داخل حدوده , و لكنها ليست الحرية التى أصبوا اليها و أحلم بها و التى استعضتها بتحطيم القيود على تفكيرى و تعبيرى عن رأيى و هى الأمور التى لا يستطيع أعتى سلطان أن يسلبها منى سوى بقتلى و اخماد آخر أنفاسى. ء
و هنا أستعير التعبير السحرى للروائية المصرية نعمات البحيرى التى أتمنى لها من أعماقى الشفاء العاجل و الإفلات من بين براثن الوحش الذى لايزال يلتهم فى جسدها, و أقول:
"لست حزينا, فلا أرى نفسى قطعة لحم كل همها فى الحياة اشباع متطلباتها الحسية و غرائزها الحيوانية حتى أعيد إنتاج الغضب على حرية منقوصة"
إلى كل من ساندونى فى محنتى و وقفوا بجانبى: أتمنى أن أستطيع رد ما فعلتموه, برقبتى أفضال لن أنساها لكم ما حييت
و الى حبيبتى سهر: عندما أتذكرك و أتذكر معاناتك مع المجتمع الذكورى و صبرك و مثابرتك حتى تم لك احداث تغيير فى محيطك الاجتماعى أزداد قوة و صلابة فى التمسك بموقفى و يداعبنى الأمل الكبير فى احداث تغيير شامل في من حولى
و الى الصديقة العزيزة سارة: لن يستطيعوا تحطيمى من الداخل كما كان يخيل لك و تذكرى جيدا أن الضربة التى لا تميتك حتما ستقويك. ء
أختم رسالتى تلك و التى آمل أن تحظى بالنشر فى أقرب وقت ان ابتسم لى الحظ و زارنى أحد أصدقائى فى محبسى
عبد الكريم نبيل سليمان
الاثنين 13\11\2006 م
من الحجز المدنى بقسم شرطة محرم بك

الأربعاء، نوفمبر 08، 2006

رسالة من خلف القضبان 1

بدأت اكتب هذة الكلمات بعد قليل من عودتي من النيابة حيث تقرر احتجازي لفترة خمسة عشر يوما بعد يومين قد قضيتهما في حجز قسم محرم بك بقرار من النيابة العامة بالتحقيق معي بسبب ارائى المنشورة عبر الانترنت، فلم أكن أتصور أن يتم احتجازي في مكان واحد مع المجرمين بالاتجار في المخدرات وتعاطيها و السرقة والقتل لا لشيء إلا أنى قد عبرت عن ارائى دون قيود ودون أن أضع في الاعتبار أن هذا قد يعد جريمة تستجوب احتجازي في ظروف بالغة السوء لا تليق بالبهائم والسائمة،فضلا عن إن تفرض قسرا على إنسان لا جريرة ارتكبها سوى أنة أفصح عن ما بداخلة بكل وضوح وصراحة وشفافية
لست حزينا...ولن ادعهم يمتلكون الفرصة لتحطيمي نفسيا بهذا الإجراء التعسفي الذي لا يجيد تنفيذة إلا الأغبياء، ذوى الأفكار المتحجرة التي لا تملك القوة للصمود في وجة اى فكر حر لا يعترف بالثوابت ،فيبادرون بقمعه بكل عنف وقسوة كتعبير عن عجزهم عن مواجهتة بفكر مضاد هادفين إلى إخماد الأصوات المغردة خارج سربهم ..وهيهات أن يتحقق ما يصبون إلية
إن حيلة العاجز التي تتبناها جامعة الأزهر بأسلوبها الهمجي الأرعن تثبت يوما بعد يوم أنها لا تمثل سوى بيئة لنشر التخلف والجهل وحث الناس على الرضا بما هم فيه من أوضاع مزرية عن طريق إثنائهم عن التفكير أو تعطيل عقولهم ،و مطاردة كل من يستخدم عقلة في ما يفرض علية دون مبرر عقلاني لفرضه
أنى أعلن من هذا المكان احتجازي هذا أنة لا شيء ولا احد سيتمكن من اخضاعى حتى إن وضعت القيود في معصمي ومنعت من الحركة، فلن يترك هذا أثرا على سوى انة سيجعلني أكثر قوة وصلابة في مواجهة أعداء البشرية المستريين خلف غطاء الدين
كان اليوم شاقا حقا فقد خرجت من حجز القسم إلى النيابة ويداى اليمنى واليسرى مقيدتان بيدي سجينين أخريين حتى تم حل قيد إحدى يداى وظلت الأخرى مقيدة بيد السجين الأخر حتى انتهت الجلسة وعدت إلى حجز القسم ،فى ذات الوقت الذي لم أكن فية أطيق الجو من حولي ،فانا فى زنزانة تحت الأرض ليست بها سوى نافذتين اجد صعوبة بالغة في استنشاق هواء نظيف من خلالها حيث أنى إلى ألان ومنذ احتجازي يوم الاثنين الماضى لم اتمكن من استعمال دورة المياه لأنها بأبسط تعبير لا تليق بادمى ،ولكن كل هذا لن يجعلني أتنازل ولو للحظة عن ما اقتنعت بة من داخلي و عبرت عنة ....ثم سجنت من أجلة
اذكر انى كتبت العام الماضي عقب إطلاق سراحي كلمة لا أزال اذكرها تمر المحن والمصائب على الإنسان فإما أن تخضعه وتلين من صلابته وإما ان تدعمه وانا اواثق اشد الثقة المحنة التي أمر بها ستجعلني كما كانت سابقتها أكثر قدرة على المواجهة واشد تماسكا في مواجهة أعداء البشرية الذين كانوا ولا يزالوا يخيفهم صوت حر يغرد خارج القطيع
فليسجنوني ان أرادوا فلن يستطيعوا ان يسلبوا شيئا منى فحريتي موجودة في داخلي لن يستطيعوا انتزاعها منى مهما ثقلت قيودهم وضاقت سجونهم
ختاما أتقدم بخالص شكري و امتناني إلى جميع من تضامنوا معي في محنتي تلك خاصة روضه احمد المحامية والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومديرها الأستاذ جمال عيد ،ومن اعماقى اشكر الصديقة البحرينية اسراء الشافعى وقد بلغني أنها أطلقت موقعا عبر الانترنت للمطالبة با طلاق سراحي ،كما اشكر من اعماقى الصديقة العزيزة داليا زيادة التي أثبتت واقعيا مقولة "رب أخ لك لم تلده أمك" والتي كلما قرأت قصائدها وتذكرت كلماتها ازددت أيمانا ويقينا أن من يعجز عن قول "لا"لا يستحق الحياة
وأرسل تحياتي الغامرة إلى سهر الإنسانه التي أحبها قلبي منذ أول مرة اتقيتها، والتي الهمتنى الكثير، فقد وجدت فيها تمردا يسير على قدمين من خلال مواقفها في الحياة الرافضة لكافة صور الهيمنة الذكوريه عليها وعلى كل أنثى والتي جعلتني ازداد اقتناعا بان الإنسان الطبيعي هو من لا يخضع ولا يميل إلى إخضاع غيرة، لن أنساك يا سهر مهما طالت غربتي بين جدران السجون
عبد الكريم نبيل سليمان
8/11/2006
من زنزانة الحجز المدني بقسم شرطة محرم بك بالاسكندرية