الأربعاء، نوفمبر 05، 2008

عامان من الحلم والوحدة والانتظار

بعد أيام قليلة سوف اتم عامين خلف أسوار السجون المصرية ، ليس في الأمر ثمة عجب فقد اعتدته وفقدت القدرة علي التفكير فيه ، أصبحت بالكاد أتذكر ان هناك عالما "آخر " يقع وراء أسوار هذا السجن وانه يضم أناسا يتمتعون بقدر من الحرية ليس لي فيه نصيب ، وبالكاد أتذكر أيضا إنني كنت مثلهم أشاركهم الحياة في عالمهم "الأخر "لولا تسلط المستبدين وعلو نجم الأفاقين ممن يدعون امتلاكهم للحقيقة المطلقة .

سوف اتم عامين .. اضطررت خلالهما الي البقاء وحيدا بين المجرمين من اللصوص وتجار السموم وسفاكي الدماء .. ومخربي عقول البشر وسارقي أحلامهم ، اضطررت للبقاء وسط هذه الأصناف البشرية في مكان بني من اجلهم ، لكنه لم يبني من اجلي ، وآثرت الانعزال في عالم وجدت نفسي غريبا فيه

لم اكن أتخيل في أسوا كوابيس منامي أن أجد نفسي في هذا الموقف الأليم ، كنت مفرطا في حسن النية ومبالغا في التفاؤل بان القادم سيكون أفضل وانطلقت علي هذا النحو متحديا كل مظاهر الردة والتخلف المستشرية في الأوساط المحيطة بي حتى استيقظت علي المأساة ؟ لم أكن أتخيل ان أصحاب الأفكار الرجعية المتخلفة سيشهرون في وجهي كل أسلحتهم وعتادهم ؟ بل لم يجنح بي التصور الي درجة ان يجدوا لدي السلطات الأمنية والقضائية سندا وظهيرا في مواجهتي !.. حاولت كثير ان اجد إجابة لسؤال حيرني … وفشلت :- من أكون حتي يعطونني كل هذا الاهتمام ويعلنون علي الحرب ويمنحونني بطولة لا استحقها ؟!

* * *

عندما تفكر بصوت عال في بلد يخضع لحكم مستبد … فعليك ان تتحمل النتائج وعندما تجد هذا الحاكم يستمد شرعية استمراره في السلطة من تأييد رجال الدين له .. فأعلم أن النتائج ستكون وخيمة ومضاعفة ..

حقائق أدركتها في وقت متأخر بعد أن ذقت الأمرين . فلا شيء يورق منام الحاكم المستبد ورجل الدين الافاق كاستخدام الناس لعقولهم وإخضاع كافة تصرفاتهم لها ، فهما يشتركان في الرغبة في إخضاع الناس ، الحاكم المستبد يريدهم عبيدا له يطوعهم لرغباته ويطؤهم بنعاله ، ورجل الدين يريدهم عبيدا للحقيقة المطلقة التي يدعى امتلاكها ..

وهنا تتلاقي الأهداف وتعقد التحالفات لتعلن الحرب علي عقل الإنسان الذي يهدد عرش الحاكم المتسلط ويحول حقيقة رجال الدين المطلقة الي وهم وهراء .

تلتقي أهداف الحكام المستبدين ورجال الدين عند تغييب عقول الناس ، الغاية عند كلٍ من الطرفين تبرر اي وسيلة رخيصة تمكنهم من بلوغها ، وطالما أن هذه الوسيلة ستحقق لهما غايتها فلا يهم البحث عن المشروعية القانونية أو الدينية لها ، فرغبة الحاكم المستبد أسمى من القانون ، ورؤية رجل الدين واجتهاده هي عين الدين ! .

فان حققت لهما المخدرات غايتهما ففي ذلك الكفاية ، وان لم تفي بالغرض ففي إلهاء الناس بتوافه الأمور وصرفهم عن التفكير في قضاياهم الهامة والمصيرية خير سبيل لتحقيق أهدفهم الدنيئة ، وان لم تفي اي من الوسيلتين السابقتين بالغرض المرجو تحقيقه ففي نشر الخزعبلات الدينية الهابطة وفي ترهيب الناس بالأمور الغيبية التي يتعلق بعضها بما ينتظرهم بعد موتهم من مصير يتحدد بمدي طاعتهم لرجال الدين وأولي الأمر وسيلة ناجحة تغطي اي نقص لم تتمكن اي من الوسيلتين السابقتين من تغطيته !.

وأن تمرد احدهم علي هذا الحصار وكسره وأصر علي الخروج من دائرتهم محكمة الإغلاق ورفض الانقياد معصوب العينين وسط القطعان البشرية الذاهبة نحو المجهول ، فعلية أن يتحمل العواقب مضاعفة :-

علية أن يتحمل عداء المجتمع وازدراءه له ، حيث ان هذا المجتمع يحركه رجال الدين بأفكارهم البالية ورؤاهم المتعصبة ويقودونه من خلالها صوب الهاوية .

وعلية أيضا ان يتحمل حدة السيف القاطع الذي ستضعه السلطة المستبدة فوق رقبته . ففي مجتمع تنتشر به الأمية الثقافية وتحكمه سلطة مستبدة ويصنع أفكاره ويحركها مجموعة من الدجالين الذين يرتدون مسوح رجال الدين لا مكان لعقل حر ليفكر ، ولا مكان لإنسان يأبي أن يغيب عقله أو يتقولب !.

****

حلمت كثيرا باليوم الذي سأخرج فيه من هذا السجن .. وطال حلمي وانتظاري ، ففي هذا المكان أدركت معني وقيمة الحرية وذقت مرارة الالم الناتج عن فقدها ، أصبحت الآن أكثر تعطشا وتشوقا لها من اي وقت مضي وبدأت افقد صبري تدريجيا .

علي المكوث في هذا المكان البشع ، أمر واحد فقط يجعلني أتحمل هو إيماني العميق والراسخ بأنني لم أخطا .. وادراكي أنني أدفع جزء ضئيلا من ثمن حرية جيلي والأجيال القادمة . نعم .. أحلم بمغادرة السجن وأحاول أن افعل ما بوسعي كي اختصر المسافة بين هذا الحلم والواقع ، لكنني لن ادع احدا يساومني علي حريتي ومصيري حتى وان اضطررت لقضاء باقي سني حياتي بين جدران السجون ، فحرية فكري وقلمي أثمن عندي من اي شيء وارفع من ان أساوم عليهما مهما كان المقابل .

لست وحدي ، اعلم ذلك جيدا وأدركه وأعيه ، وهذا ما يخفف عني قليلا الام القيود ، وأعلم ان هناك مطالبات بالإفراج عني بعد قضائي نصف مدة الحكم الذي أصدرته المحكمة الجائرة ، وهذا مما يجدد في قلبي الأمل بأن القادم سيكون أفضل ، أتمني أن تشهد الايام القادمة نهاية سعيدة لهذا الفصل المأساوي من هذه الرواية الدرامية التي يسمونها "الحياة" .

لست حزينا … فربما يكون ما تعرضت له هو الأسوأ علي الإطلاق ولن ينتظرني ما هو أسوأ منه ، وفي هذا العزاء فقد اعتدت الأمر وتعايشت معه ، بالطبع لم افقد الإحساس بالألم ولم تسقط ذاكرتي لحظات السعادة النادرة التي مررت بها من قبل ، واشعر أنني سأتمكن من تجاوز هذه الفترة الأليمة بعد الإفراج عني وكأنها لم تكن .. ولدي الإرادة التي ستمكنني من تحقيق ذلك .

فقط أتمني ان تزول الأسباب التي دفعتني الي هذا المكان ، وأن أعيش حتى تقر عيناي برؤية الكنيستان القبطية والأزهرية وقد انهارت دعائمهما وهوت قلاعهما ودمرت حصونهما وذهبتا الي غير رجعة في غياهب النسيان ، عندها سأطمئن ،

فسيفقد الحاكم المستبد بغيابهما النعلين اللذين كانا يمكناه من أن يطأ بهما فوق رقاب الشعب …

وعندها ستزل قدمه ويسقط .... ويطؤه الشعب .

كريم عامر الإسكندرية سجن برج العرب الاحتياطي عنبر 22 غرفة 10

ليست هناك تعليقات: