الأحد، سبتمبر 25، 2011

سنوات السجن والحرية المسلوبة (1)

اصطحبني الجنود المكلفين بحراستي إلى قفص المحكمة لأفاجأ بالقاعة مليئة عن آخرها بالحضور الذين لا أعرفهم ولم يسبق لى أن التقيت بمعظمهم، كان القاضي منتظرا حضوري وباغتني على الفور بنداء اسمي فأجبته مثبتا وجودى بالقاعة، لأفاجىء به ينطق بالحكم الذى لم أستوعبه للوهلة الأولى ولم أميز تفاصيله، لإنشغالى بتفحص وجوه الحاضرين فى القاعة بحثا عن من قد أعرفهم.

وفور أن إنتهى القاضى من نطقه بالحكم ورفعه للجلسه لم أكن قد إستوعبت الأمر بعد ولم تظهر على وجهى أى علامات للصدمة أو التأثر فقد كنت أتوقع الكثير منذ البداية ولم أنشغل بمعرفة ما قد ستسفر عنه نتيجة هذه المحاكمة وكأن الأمر لا يعنينى فى شىء، وفى ذات الوقت كنت مهيئا تماما لتقبل أى حكم قد يصدر ضدى فى جلسة هذا اليوم على وجه التحديد الذى وافق الثانى والعشرين من شباط (فبراير) عام 2007، هذا التاريخ الذى كنت قد دونته على جدار زنزانتى حتى قبل أن أحول الى المحاكمة وتؤجل قضيتى للنطق بالحكم فيه.

كنت قد تأثرت بشدة بقصة المناضلين الألمان الثلاثة صوفى شول وهانز شول وكريستوف بروبست الذين أصدرت ضدهم محكمة عسكرية ألمانية إبان الحقبة النازية حكما بالإعدام فى ذات التاريخ الثانى والعشرين من شباط (فبراير) عام 1943 تم تنفيذه فى نفس اليوم ، خاصة بعد أن شاهدت فيلمين روائيين عنهم وانشغلت لفترة فى البحث عن تاريخ حركة الوردة البيضاء وسيرة مؤسسيها الذين كانوا قد أنشأوها كحركة مناهضة سلمية لنظام هتلر بين طلاب جامعة ميونيخ، وأثمر بحثى عن مقال مطول أظهرت فيه تأثرى بقصتهم نشرته على صفحات مدونتى قبل عام كامل من صدور الحكم بسجنى!

قد يبدو الأمرفى نظر البعض مجرد مصادفة لا تحمل أى معنى بينما تراه عيناى بشكل اخر يتمثل فى حقيقة مفادها أن الطغاة والمستبدين يتشابهون فى كل شىء ويكررون أنفسهم، وليس أدل على ذالك من أن نظام هتلر سقط بعد حوالى عامين من إعدام صوفي شول ورفاقها، ونظام مبارك هوى هو الآخر فى فترة لا تزيد كثيرا على ذالك من تاريخ الحكم على بالسجن، ولا أحاول من خلال ذالك أن أنسب الى نفسى بطولة لا أستجقها أو أقحم وجهى فى الصورة إلى جانب هؤلاء المناضلين العظام الذين قدموا أرواحهم فداء لحرية بلادهم.

فقط أردت التأكيد على حقيقة يغفل عنها كل من تنسيه لذة مقعد السلطة الوثير إياها وهى أن التاريخ يعيد نفسه، بكل تفاصيله الدقيقة، حتى الأرقام الموجودة على صفحات التقاويم السنوية التى يضعها الديكتاتورعلى مكتبه تتكرر بنفس الصورة وتتشابه معها الأحداث.

لم يصدمنى الحكم فور استيعابى له فقد كنت أتوقع الكثير منذ البداية، كنت أدرك عن يقين أن الحديث عن أن هناك حرية للتعبير عن الرأى فى مصر هو ضرب من العبث، ومنذ أن بدأت أنشر أولى كتاباتى كنت أعلم جيدا أننى لا أسير فى طريق ممهد، وأن عثرات هذا الطريق أكثر مما يتصور البعض وإخترت الأمر بإرادتى الكاملة لشعورى أن فى الكتابة حياة أخرى لا تضاهيها أى حياة .

لم يكن هذا المشهد الذى حاولت نقله فى بداية هذا المقال هو مشهد البداية، ولم يكن بالطبع مشهدا لنهاية الأحداث، فقد كنت مقيد الحرية قبل هذا التاريخ بفترة تجاوزت المائة يوم بعد أن أصدرت النيابة العامة قرارها بحبسى على ذمة التحقيقات ووجهت لى عدة اتهامات تعلقت جميعا بكتاباتى التى نشرت على صفحات مدونتى وعدد من المواقع الإكترونية، وكان التحقيق معى يتم بناءا على بلاغ تقدمت به جامعة الأزهر حيث كنت أدرس القانون بإحدى كلياتها وفصلت منها بعد أن تمت إدانتى فى مجلس التأديب التابع لها بناء على محتوى بعض مقالات مدونتى بازدراء الاسلام وسب وقذف شيخ الازهر الراحل والاساءة الى أساتذة الجامعة.

فى جلسة التحقيق التى رافقتنى فيها محامية تعمل فى احدى المظمات الحقوقية إتهمتنى النيابة العامة بعدة اتهامات شملت إزدراء طائفة المسلمين والتحريض على قلب نظام الحكم وكراهيته وإهانة رئيس الجمهورية، وكان التحقيق أشبه بفصل هزلى فى مسرحية ساخرة حيث جمع المحقق المكلف باستجوابى حوله عددا من زملائه فى تصرف لا يمت لإجراءات التحقيق الرسمى بأى صلة، ولم يعلق هذا المحقق على التهديد الذى وجهه لى أحد ضباط المباحث داخل مكتبه بتعذيبى داخل قسم الشرطة الذى يعمل به، ولم يأبه أيضا بالأسئلة التى كان زملائه يوجهونها إلى خارج اطارالتحقيق والتى كانت تحمل فى طياتها اساءة بالغة وانتهاكا للخصوصية وحتى عندما حضر رئيس النيابة الى المكتب تحدث معى بشكل غير لائق وبادر بتهديدى امام محاميتى، وتحولت جلسة التحقيق الى كوميديا سوداء .
http://blog.goethe.de/transit/archives/140-1.html

هناك تعليق واحد:

بنات مصر يقول...

رووووووووووعة تسلم ايدك