الأربعاء، أكتوبر 10، 2012

الحرية الغائبة فى عصر الإخوان

عندما أصدر الرئيس المصرى محمد مرسى قراره بالإفراج عن كل من تم إعتقالهم منذ قيام ثورة يناير حتى الآن تنازعنى شعورين بالغى التناقض، الشعور الأول كان يتمثل فى فرحتى الشديدة بخروج الاف المدنيين الذين قضوا شهورا طويلة داخل السجون بموجب محاكمات عسكرية تفتقر إلى العدالة والمشروعية ، أما الشعور الثانى فقد تمثل فى حالة قلق مبرر على مستقبل البلاد الذى صار رهينا بديكتاتور جديد يجيد استخدام الحيل والألاعيب السياسية لخداع الجماهير وتنويمها ، بعد أن فشل فى تحقيق وعوده التى ربطها بالمائة يوم الأولى من حكمه وإستغل هذا القرار لمغازلة مشاعر الجماهير .
لكن فى غمرة تلك الفرحة بهذه القرار الذى ساعد مرسى كثيرا فى رفع مؤشر شعبيته نسبيا بين البسطاء من الشعب المصرى الذين يشكلون غالبيته العظمى ، فقد غفل كثيرون عن إنتهاكات لحقوق الإنسان باتت تمارس بشكل منهجى منذ لحظة وصول الرئيس الجديد إلى السلطة ، فخلال شهر واحد فقط سجلت العديد من حالات الإحتجاز والتحقيق والسجن بحق شباب ونساء وأطفال أيضا بتهمة إزدراء الأديان التى صارت إحدى وسائل النظام الإخوانى الحاكم لكسب الدعم من أغلبية ترى فى الرأى المخالف جريمة تستوجب العقاب ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعقيدة بشكل عام وبالإسلام على وجه خاص .
إلى أجل غير مسمى سيظل الشطر الأول من الهتاف الشهير: " يا حرية فينك فينك ؟؟ ..... " حاضرا فى تظاهرات قوى المعارضة المدنية المصرية ، دون أن يجد من يحاولون استدعاء تلك " الحرية " من خلال هتافهم أى أثر لها ، من المحتمل فقط أن يتغير محتوى الشطر الثاني من الهتاف على حسب المستجدات ، بعد انتهاء عصر " أمن الدولة " و " الحزب الوطني " و " حسنى مبارك " ومختلف القوى التى كانت تقف في السابق حائلة بين مرددي هذا الهتاف وبين حريتهم ، ليحل محلها جماعات الإسلام السياسي و ميليشياتها شبه المسلحة والأحزاب الدينية وشخص الرئيس الإخواني " محمد مرسى " ومؤسسات الدولة التي بدأت في " التأخون " مجاملة للرئيس الجديد وجماعته ، بالإضافة إلى نعلى النظام السابق والحالى "الأزهر والكنيسة" والذين يبدو أنهما ناسبا مقاس قدم الرئيس الجديد ، وفضلا الإستمرار فى لعب نفس الأدوار القذره المسانده لقمع الأنظمة الحاكمة على إختلاف ألوانها ومشاربها ، وكل هذه القوى ظلت ثابتة فى أماكنها حائلة بين هؤلاء المتظاهرين وبين حريتهم التي يهتفون لها .
خرج المتظاهرون فى يناير من العام الماضى يطالبون بالحرية ، لكن بعضهم لم يكن يعنى الكلمة بحرفيتها ، فلا يمكننا الآن أن ننكر أن جزءا كبيرا ممن شاركوا فى التظاهرات التى أسقطت نظام مبارك كانوا ينتمون إلى تيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ، وبالطبع سنصبح غير منطقيين إن زعمنا أن الإسلاميون أيضا يريدون الحرية كما نفهمها ، فمرجعيتهم الفكرية وخلفيتهم الثقافية تتعارض تماما مع هذه القيمة ، وهم وإن استخدموا تلك الكلمة فى صياغة بعض أجزاء برامجهم السياسية أو فى نحت أسماء حزب من أحزابهم التي أنشأوها بعد سقوط نظام مبارك فهذا بالطبع لا يعنى أنهم جادون فى المطالبة بتلك الحرية ، فالحرية بالنسبة لهم هى مجرد شعار يجذبون به أتباعا مغيبين مجرد – فى الواقع - من مضامينه الحقيقية ، و القيود التى يريدون وضعها على تلك القيمة تجعل من الحديث عن أى شكل من أشكال الحرية فى زمنهم ضرب من العبث .
على كل حال ، فواقع مصر الآن يثبت صحة ما أقوله ، فبعض من كانوا يؤيدون الثورة ويتحمسون لها بدأوا فى الترحم على عهد مبارك الذى ثبت – رغم كل شىء - أنه لم يكن أشد سوءا مما عليه الحال الآن ، ولكونى أحد من تعرضوا للقمع فى عهد نظام مبارك بسبب كتاباتى التى أودعت بسببها السجن لأربع سنوات بحكم قضائى بتهمتى إزدراء وتحقير الدين الإسلامى وإهانة رئيس الجمهورية ، أشعر الآن عندما أقرأ الأخبار اليومية وأنا فى منفاى الإختيارى بأوروبا أن الحظ قد حالفنى عندما حوكمت بهاتين التهمتين فى عهد النظام السابق ولم ألاقى مصيرا مثل الذى يعايشه الآن من حوكم بنفس التهمتين فى زمن الإخوان .
منذ أسابيع قليلة صدر حكم قضائى ضد مدرس قبطى يعيش فى إحدى محافظات صعيد مصر بالسجن لمدة ست سنوات بذات التهمتين اللتين لوحقت قضائيا بموجبهما ، والسبب قيام هذا المدرس القبطى الذى يدعى بيشوى البحيري بنشر صور قيل انها مسيئة للنبى محمد وتوجية عبارات تحمل اهانة للرئيس المصرى محمد مرسى عبر حسابه الشخصى على موقع فيس بوك ، ومنذ أيام وفى خضم الأحداث التى أعقبت نشر أجزاء من فيلم " براءة المسلمين " الذى نتج عنه خروج تظاهرات أمام السفارات الأمريكية فى عدد من دول الشرق الأوسط فى الذكرى الحادية عشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ونتج عنه مصرع عدد من موظفى قنصلية الولايات المتحدة فى مدينة بنى غازى الليبية ، ومحاولة اقتحام سفارة الولايات المتحدة فى القاهرة ، تجمع عدد من الغوغاء أمام منزل الناشط السياسي والمدون ألبير صابر فى أحد ضواحي القاهرة محاولين الفتك به والإجهاز عليه بحجة نشره لرابط الفيلم على صفحته على موقع فيس بوك ، وعندما استغاثت والدته بشرطة النجدة ، حضر عدد من أفراد الشرطة وبدلا من أن يبادروا بحماية نجلها والقبض على هؤلاء الغوغاء الذين يهددونه ، القوا القبض عليه ليتعرض للتعذيب البشع داخل قسم الشرطة قبل أن يتم تحويله إلى النيابة العامة التي أصدرت قرارا بحبسه على ذمة التحقيق بتهمة ازدراء الأديان ! .
وقبل أيام أحيلت مدرسة قبطية إلى التحقيق الجنائى بسبب بلاغ قدمه طالب فى الصف الثانى الإعدادى يتهمها فيه بإهانة محمد عندما كانت تدرس لفصله أحد النصوص المقررة ، والسبب عدم قيامها بالتعقيب على ذكر إسم محمد بعبارة " صلى الله عليه وسلم " التى يرددها المسلمون ، وتم حفظ التحقيق فى نهاية المطاف قبل تنامى الفضيحة عندما إكتشف أن الطالب مقدم البلاغ كان متغيبا عن المدرسة فى هذا اليوم .
ومنذ أيام أيضا رجت البلاد فضيحة قضائية مدوية عندما قررت النيابة العامة إيداع الطفلين نبيل ناجي رزق (10 سنوات) ومينا نادي فرج (9 سنوات) أحد مراكز إحتجاز الأحداث لمدة أسبوع بتهمة إزدراء الدين الإسلامى لقيامهما بالتبول علنا على أوراق من القران كانت ملقاة فى القمامة ، على الرغم من أن قانون الطفل الذى لا يزال سارى المفعول فى البلاد ينفى المسئولية الجنائية عن كل من يقل عمره عن ستة عشر عاما ويمنع إحتجازة ، وفيما بعد تم تدارك الفضيحة بالإفراج عنهما دون محاسبة وكيل النيابة الذى تورط فى هذا الأمر .
وقبل أيام أيضا ذهبت الطالبة الجامعية بسمة ربيع إلى قسم الشرطة لتحرر محضرا ضد والدتها الصيدلانية وشقيقها وعمها اللذين إعتدوا عليها بالضرب و حاولوا قتلها بدس السم فى طعامها لوجود علاقة بينها وبين شاب يدعى حمدى جمال ، وفى لمح البصر تحولت الضحية إلى جان وتم إحتجاز الفتاة وصديقها والتحقيق معهم بتهمة إزدراء الأديان لقيام الفتاة بالإفصاح عن إلحادها ورفضها مبدأ الزواج ، قبل أن يفرج عنهم قاض التجديد بكفالة قدرها مائة جنية .
بيشوى ، والبير ، وبسمة ، وغيرهم ، ليسوا الوحيدين فى هذا المضمار ، فانتهاكات حرية الرأى والتعبير منذ تولى الرئيس مرسى الحكم فى تزايد مستمر ، وما يصل إلينا عن طريق وسائل الإعلام أقل بكثير مما هو موجود بالفعل ، فالقضايا التى يرفعها المحسوبين على التيار الإسلامى الحاكم ضد الإعلاميين والصحفيين وأصحاب الرأى أصبحنا نطالعها فى أخبار كل صباح ، ولا مجال هنا للحديث عن حرية الرأى والتعبير بعد أن تحول الرئيس الإخوانى محمد مرسى إلى إله جديد يهاجم أتباعه بضراوة من يقترب منه بالنقد أو الهجوم بشكل لم نعهده حتى فى عهد مبارك ، فالقضايا التى تنظرها المحاكم والمرفوعة من أعضاء فى جماعة الإخوان المسلمين ضد منتقدى مرسى باتت تفوق القدرة على الحصر .
الحقوق المدنية والحريات الشخصية والسياسية وحرية الرأى والتعبير أصبحت جميعا فى خطر حقيقى الآن أكثر من أى وقت مضى ، وقضية ألبير صابر وبيشوى البحيرى خير شواهد على ذالك ، والدول الغربية التى دعمت وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة فى مصر وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ينبغى أن تقر وتعترف بجريمتها فى حق شعوب دول ما يعرف مجازا بـ " الربيع العربى " ، وأن تعمل على تدارك الأمر وإصلاحه حتى لا يطولها منه جانب غير محمود ، وما اقتحام سفارة أمريكا بالقاهرة وقتل الدبلوماسيين الأمريكيين فى بنى غازى بتحريض مباشر من جماعات التطرف الإسلامية وثيقة الصلة بجماعة الإخوان المسلمين عنا ببعيد .
على الشعب الأمريكى أن يدرك وهو على أبواب إنتخابات الرئاسة أن الإدارة الأمريكية الحالية قد أجرمت كثيرا فى حقه وفى حق شعوب أخرى عندما وضعت يدها فى يد ثلة من المتطرفين الإسلاميين الذين يمتلكون نفس الجذور الفكرية والعقائدية التى يمتلكها مدبرو ومنفذو هجمات الحادى عشر من سبتمبر التى أوقعت مئات الضحايا الأبرياء من أبناء شعبهم وهى ذات الجذور التى شجعتهم ودفعتهم لتنفيذ هذا الهجوم المجرم وغيره من الهجمات ضد الأهداف المدنية فى عدد من الدول الغربية ، وهى أيضا أجرمت فى حق شعوبنا عندما ساعدت المتطرفين الإسلاميين على الوصول إلى السلطة فى بلادنا ومهدت لهم الطريق وهى مسئولة بشكل غير مباشر عن دماء الضحايا الأمريكيين الذين سقطوا فى بنى غازى خلال هذا الشهر عندما دعمت حلفائهم وسهلت لهم السيطرة على مقاليد الأمور ، ومسئولة أيضا عن أى دماء سالت أو سوف تسيل فى بلادنا على يد تلك الجماعات المتطرفة .
مئات من علامات الاستفهام والتعجب أيضا تحيط بسياسات إدارة الرئيس أوباما تجاه منطقة الشرق الأوسط منذ توليه منصبه ، وأسئلة كثيرة مطروحة تفتقد لأجابات مقنعة تضع إدارة أوباما فى موضع الاتهام ، وعلى الشعب الأمريكي أن يحاسب إدارته على تلك السياسات التى دمرت مستقبل شعوب منطقة الشرق الأوسط ، وضاعفت من المخاطر التى تهدد أمنه وأمن الشعوب الأخرى عن طريق دعم المتطرفين الإسلاميين ومحاولة تمويه حقيقة أن الإرهاب الذى تمارسه بعض الجماعات المتطرفه ضد المصالح الغربية والأهداف المدنية هو عمل إسلامى بإمتياز يتطابق تماما مع ما ورد فى كتب التراث الإسلامى والتى يؤمن بها المسلمون .
الأجزاء التى عرضت من فيلم " براءة المسلمين " جاءت متطابقة فى الغالب مع ما جاء فى كتب التراث الإسلامى بإستثناء ما ورد من حديث حول مثلية محمد ، وسماحه بممارسة الجنس مع الأطفال الذكور ، فهذا لم يمر على طوال فترة دراستى للإسلام فى الأزهر ، وأعتقد أنه مجرد مبالغة من صناع الفيلم الذين نحجوا فى إستفزاز مشاعر المتطرفين من المسلمين الذين أنتجوا فيلما آخر أساءوا فيه إلى أنفسهم و أكدو ا- بما لا يدع مجالا للشك- صحة ودقة ما ورد فى الفيلم الذى خرجوا للإحتجاج عليه ، ولا أعتقد أن الشعب الأمريكى فى حاجة إلى تقديم إعتذار لأحد لشبهة حمل بعض صناع الفيلم للجنسية الأمريكية لثلاثة أسباب ، أولها وأقلها أهمية بطبيعة الحال هو أن هذا الفيلم تقع مسؤليته على صناعه دون غيرهم ولا يجب أن يتحمل شعب كامل مسؤلية ما قامت به مجموعة صغيرة تنتمى إليه ، وثانيها وأوسطها فى الأهمية هو أن حرية الرأى والتعبير ينبغى أن تكفل وتصان وأن لا يلتفت إلى المجموعات الهمجية التى ترغب فى تقييدها بحجة عدم المساس بالأديان والمقدسات الدينية ، وأن أحد أسباب نهضة المجتمعات الغربية وتقدمها هو إيمانها المطلق المدعوم بالتطبيق العملى بالحرية المطلقة للفرد ، وأن دعائم هذه النهضة وهذا التقدم ستتقوض لا محالة إن وضعت القيود والمحاذير على الحريات الفردية والعامة ، أما عن ثالث هذه الأسباب فهى أن الفيلم رغم تفاهته وسطحيته يتعرض لقضية خطيرة ينبغى تسليط الضوء عليها وعدم إهمالها وهى جذور العنف والتطرف المرتبطة بالعقيدة الإسلامية وبمؤسس تلك الديانة ، وأن حياة شخص مثل محمد تحتاج إلى تسليط الضوء عليها وزيادة الإهتمام بها بعيدا عن عمليات التجميل التى يجريها على جثته المتعفنة بين الحين والآخر بعض الدعاة الإسلاميين الذين يسعون لخداع الشعوب الغربية وتصوير الإسلام لهم على غير حقيقته التى أراها فى قمة البشاعة .
على الغرب أن يعيد النظر فى مصطلح " الإسلاموفوبيا " ، فالإسلام – من وجهة نظرى – يمثل خطرا حقيقيا على الإنسانية ، والتخوف منه ومن مخاطره أمر طبيعى لا يختلف عن الخوف من الموت تحت عجلات قطار مسرع ، وعلى الغربيين أن يقرأوا الإسلام جيدا وأن يطالعوا كتب التراث الإسلامى مباشرة دون وسيط لديه مصلحة فى تحريف ترجمة معانى القرآن وغيرها ، عليهم أن لا يستقوا معلوماتهم عن الإسلام من دعاة مسلمين يخدعونهم ، أو مسلمون طيبون مغيبون لا يعرفون الكثير عن حقيقة دينهم .



الأربعاء، سبتمبر 26، 2012

ألبير صابر .. ضحية جديدة للغباء الثورى !

فى الفترة المقبلة لن أنسى أن أفتتح كل مقالاتى التى تتناول الشأن المصرى بسب ولعن من يمكننا أن نطلق عليهم مسمى "النخبة الثورية العلمانية التى إنتخبت مرسى حتى تتجنب عودة النظام السابق فى شخص شفيق" ، فكل المصائب والبلاوى التى سنعيشها سيكونون هم المسؤل الرئيسى عنها ، ورغم أننى ليس من صفاتى الشماتة فى مصائب الناس ، لكنهم هم الوحيدين الذين لن أخجل من إعلان شماتتى فيهم عندما تتأرجح أجسادهم على أعواد المشانق فى المستقبل القريب جدا ، الكثيرين حذروهم من خطورة هذه اللعبة لكنهم أغلقوا آذانهم وأصروا على أن هناك صراع يدور بين أنصار الثورة وفلول النظام ، بينما كان الأمر فى حقيقته صراعا بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة العلمانية ، تجاهلوا الأمر تماما وتركونا ندفع ثمن غبائهم أو خيانتهم غاليا .

قبل أيام قليلة إعتقل المدون والناشط السياسى المصرى ألبير صابر عياد على خلفية إتهامات وجهت إليه تتعلق بإزدراءه للأديان السماوية عبر موقع الفيس بوك وقامت النيابة العامة بحبسه على ذمة الحقيقات قبل أن يصدر قرار من النائب العام بإحالته إلى محكمة الجنح ، وقبله إعتقل المدرس القبطى بيشوى البحيرى وصدر ضده لاحقا حكم بالسجن لمدة ست سنوات بتهم تتعلق أيضا بإزدراء الدين الإسلامى وإهانة رئيس الجمهورية الحالى .
ملابسات إعتقال ألبير صابر والتحقيق معه تعزز من مخاوف الكثيرين من المهمومين بقضايا حرية الرأى والتعبير والمدافعين عن مدنية الدولة فيما يتعلق بمستقبل مصر تحت حكم الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية المتطرفة  التى باتت تمارس العمل السياسى ، فعلى حسب ما أوردته العديد من المصادر ، فقد تجمع المئات من أهالى الحى الذى يسكنه ألبير أمام منزله محاولين الفتك به تحت ذريعة قيامه بنشر الرابط الذى يحوى مقاطع من فيلم " براءة المسلمين " على حسابه الشخصى بموقع فيس بوك ، وبالرغم من أن نشر هذا المقطع لا يعنى بالضرورة مسؤلية من نشره عن محتواه إن إفترضنا جدلا أن إنتاج مثل هذه المواد التى تتناول ما يعتبره البعض مقدسا بالنقد أو الهجوم أو السخرية يعد جريمة واجبة العقاب ، إلا أن المتجمهرين حول منزله لم يعوا ذالك ، مدفوعين برغبة مسعورة تدعمها أهواء طائفية للإنتقام من شخص " مسيحى " يعتقدون أنه تطاول على مقدس " إسلامى " ، بالرغم من أنهم جميعا يدركون بشكل قاطع أن علاقة البير - الذى يجاهر بالحاده دائما - بالمسيحية لا تختلف كثيرا عن علاقتهم بها ، غير أن ما يضفى على الأمر القليل من المنطق ما بات واضحا للجميع من تحول الدين من مجرد مجموعة أفكار ومعتقدات يؤمن بها ويطبقها شخص أو جماعة إلى شكل من أشكال الإنتماء القبلى المورث والذى يقاتل بعضهم دفاعا عنه تماما مثلما يقاتل أبناء القبيلة الواحدة دعما لأحد ممثليهم فى مواجهة القبيلة الأخرى ، فعلى حسب شهادات بعض من حضروا واقعة القبض على ألبير ، فقد كان التجمع الذى حاصر منزله يضم العديد من أهالى المنطقة الذين يربطهم بـ" الإسلام " فقط أوراقهم الرسمية التى تثبت ذالك ، مجموعات من الغوغاء والبلطجية وأرباب السوابق ومدمنى المخدرات يتجمعون للإنتقام من شخص يعتقدون أنه أهان مقدساتهم !!! .
المؤسف فى الأمر أنه عندما شعرت والدة ألبير بالخطر المحدق بإبنها سارعت بالإتصال بالشرطة لطلب النجدة وإنقاذ إبنها ، غير أن الشرطة حضرت لا لتنقذ إبنها من بين أيديهم وتضعه تحت حمايتها وتلقى القبض على أفراد هذا التجمع الغوغائى الذين كانوا يهدفون بشكل مكشوف إلى الإجهاز على حياة ألبير وقتله ، بل حضرت لتلقى القبض على ألبير وتودعه حجز قسم الشرطة القريب من مسكنه ، دون أن يتعرض أى منهم لأفراد التجمع الغوغائى الذى يبدو كما لو كان يمارس سلوكا مرضيا عنه من قبل سلطات الحكم الجديدة ، وعلى حسب ما ورد فى شهادة والدة ألبير ، فقد إستقبله فى قسم الشرطة ضابط يبدو من إسمه أنه مسيحى ، وعلى ما يبدو فقد أراد أن يثبت ولاءه الشديد هو الآخر لسلطات الحكم الجديدة ، مؤسسا لفكر قمعى جديد يعتمد على قمع من ينتمون إلى أقليات دينية أو عرقية بواسطة أشخاص من بنى جلدتهم ، فسارع بوضع البير فى غرفة حجز تضم العديد من المجرمين وأرباب السوابق محرضا إياهم على التعدى عليه بالضرب مما أسفر عن إحداث جرح قطعى باستخدام موس للحلاقة فى رقبته .
إضطرت والدة ألبير ، وهى التى لا ناقة لها ولا جمل فى كل ما حدث ، إلى مغادرة منزلها بعد أن تلقت تهديدات من ذات المجموعات الغوغائية بحرقه وقتلها إن لم ترحل عن المنطقة التى يعيشون فيها ، وهو أمر قد إعتدناه فى السنوات الأخيره عند التعامل مع أى أزمة تخص الأقباط ،  ففى مطلع هذا العام قررت بعض المجموعات السلفية فى إحدى قرى العامرية بالاسكندرية تهجير بعض العائلات القبطية من منازلهم وبيع ممتلكاتهم فى المزاد العلنى بمباركة من محافظ الإسكندرية السابق الذى لم يتورع عن حضور تلك الجلسة العرفية المقيتة التى جرد فيها الأقباط من حقوقهم كمواطنين وأعلى رسميا من شأن دولة الغوغاء التى ترفع الكثير من الشعارات الدينية والطائفية المفعمه بكافة أشكال العنصرية المقيتة ، وسبق ذالك أحداث مماثلة شهدتها عدد من المحافظات .
فيما بعد أحيل ألبير للتحقيق أمام النيابة العامة التى تجاوز ممثلها حدود إختصاصاته الوظيفية ليوجه لألبير أسئلة تتعلق بمعتقده الدينى  ، وعندما أبدى محاميه اعتراضه على هذا النوع من الأسئلة لم يملك وكيل النيابة إلا أن قام بطرده  ومنعه من إستكمال حضور جلسة التحقيق ألتى إنتهت بحبس البير على ذمة القضية ، قبل أن يقرر النائب العام بالأمس تحويله إلى محكمة الجنح بتهمة إزدراء الأديان ! .
ما أشبه الليلة بالبارحة ! ، عفوا .. أعتذر للبارحة !  ما أشد ظلام تلك الليلة ، مئة يوم لم تكتمل بعد من فترة حكم الرئيس "الإخوانى" محمد مرسى شهدت تحريك عشرات القضايا ضد صحفيين وكتاب وإعلاميين ونشطاء بتهم تتعلق بتعبيرهم عن آرائهم أو بعملهم الإعلامى والسياسى ! ، لم نرى هذا الكم الهائل من القضايا فى عهد الرئيس مبارك الذى يبدو أننا سنقضى وقتا طويلا نندم فيه على مشاركتنا فى الإحتجاجات التى أسفرت عن تنحيه عن السلطة ليستبدل بهذا الطاغية الإخوانى الجديد الذى نصبه رئيسا شعب غير مؤهل لممارسة الديمقراطية ونخبة إحترت بين إتهامها بالخيانة أو وصفها بالغباء .
مصر إنهارت بالفعل ، وما أكتبه الآن أعرف أن لن يقدم ولن يؤخر ، وأن دعمى ومساندتى لألبير ودعم آخرين ومساندتهم له أمر لن يجدى أى نفع ، وأن البير سيحاكم ، وسيسجن وسيقضى فترة حكمه كاملة وسيخرج بعدها ويهاجر مثله مثل غيره إن إبتسم له الحظ ولم تمتد إليه يد أحدهم لتغتاله داخل السجن  ، ولن يكون وحده فى هذا الأمر ، فكل من يعارض الإخوان ومن يغرد خارج السرب سيلقى ذات المصير ، والفضل كل الفضل للنخب الثورية التى إنتخبت مرسى ، و التى عليها الآن أن تدرك أنها إن لم تنبطح للإخوان فستتأرجح أجسادها قريبا على أعواد المشانق ، ويبقوا يخلوا الثورة تنفعهم !!! ، فقط أريد أن أسجل لحظات دخول مصر إلى النفق المظلم الذى أزعم أنه سيمتد لسنوات طوال ، ولن ينتهى قبل أن تسفك المزيد من الدماء على يد السفاحين الإسلاميين بكميات قد تكون هى الوسيلة الوحيدة لإقناع البقية المختبئة أو الهاربة أو المتحولة - وقتها - من النخبة العلمانية الثورية التى إنتخبت مرسى بأن العند وركوب الدماغ والتعامل مع الواقع السياسى بمنطق القبائل والتار البايت لن يسفر عن نتيجة أفضل مما سيعايشونه فى الأيام السوداء أو الحمراء القادمة .   

الجمعة، أغسطس 10، 2012

دفاعا عن حرية الرأى والتعبير

سؤال "برىء" جدا بمناسبة حالة الشحن والتحريض والتشفى "الثورية" فيما يخص قضية الإعلامى الدكتور توفيق عكاشة :
هل لو كانت قضيتى التى سجنت بسببها أربع سنوات بتهمتى " إزدراء وتحقير الدين الإسلامى" و " إهانة رئيس الجمهورية " تأخرت قليلا من عام 2006 إلى عام 2012 ، هل كنت سأجد نفس الدعم والمساندة والتضامن من قبل المنظمات والجمعيات الحقوقية المصرية التى تضامنت معى وتبنت قضيتى طوال هذه السنوات ، أم أنها كانت ستتخذ لها موقفا آخر ؟؟!!!
لا أنتظر ردودا أو تعليقات ، أريد بيانا عمليا من هذه المنظمات والجمعيات يوضح بشكل فعلى ما إذا كانت مؤمنة حقا بحرية الرأى والتعبير بشكل مطلق ومدافعة عن ضحايا هذه الإنتهاكات بصرف النظر عن إنتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية ومدى رضا الشارع والحركة الثورية والسلطة الحالية عنهم أم أن مواقفهم وعملهم يخضع للواقع السياسى الجديد ، ومواقفهم تحكمها إعتبارات سياسية خاصة بالقائمين على هذه المنظمات والعاملين بها ؟؟!!
توفيق عكاشة شاء الجميع أم أبوا هو إعلامى وصاحب رأى ، إختلفتم أو إتفقتم معه ، من حقه أن يعبر عن هذا الرأى بكل الطرق والوسائل ، ومن يطالب بإقصائه ومحاكمته وسجنه لا يجب أن يتحدث مرة أخرى عن حرية التعبير وعن حقوق الإنسان .
المبادىء لا تتجزأ والدفاع عن الحريات لا يجب أن يخضع لأى موائمات سياسية ولا يجب أيضا أن تحكمه عواطفنا وميولنا .. إكره توفيق عكاشة وإختلف مع آرائه كما يحلو لك ، لكن لا تبرر هذه الانتهاكات ولا تدافع عن من يمارسونها وإلا فلن تختلف كثيرا عن حاشية مبارك الذين كانوا يدافعون عن كل جرائمه وإنتهاكاته ويسوقون لها المبررات والذرائع  .

الجمعة، يونيو 29، 2012

من أوراق سجين سابق

عندما عدت إلى محبسى عصر هذا اليوم ، لم يكن هناك شىء يؤرقنى سوى ما تلقيته من عنف وإهانة وسوء معاملة على يد ضباط وجنود الحراسة ،فصلنى التفكير فى حجم الاهانات التى تعرضت لها عن الاستمرار فى الشعور بالإنتشاء بعد صدور الحكم بسجنى ، بالفعل أنا لا أبالغ ، كنت أشعر بنشوة لا حدود لها قبل وأثناء وبعد الحكم على ، نشوة لا يستطيع كثيرون فهم دوافعها ومسبباتها لأنهم يفكرون بشكل مختلف، لكننى بالفعل لا أبالغ ، هذا الشعور الرائع سبق وتخلل فترة سجنى ، لكنه للأسف الشديد لم يستمر طويلا بعد ذالك !.

منذ أن تعرفت على شخصية " صوفى شول "، وقعت سريعا فى غرامها ، ورغم أن وفاتها المأساوية ورفيقيها سبقت مولدى بأعوام طويلة ، إلا أن روحها تلبستنى تقريبا ، خاصة فى ذالك العام الذى سبق دخولى إلى السجن ، بحثت بشغف عن كل كلمة كتبت عنها ، المراجع والموسوعات والمواقع الاكترونية والأفلام وحتى صورها الشخصية ،وضعت بانرا يخلد ذكراها ورفاقها أعلى مدونتى ولم تمتد يدى اليه لتزيله حتى هذه اللحظة ، وبالتأكيد لن تفعل .

فى الذكرى الثالثة والستون لإعدامها قررت أن أكتب أول نص عربى يتناول قصة حياتها ، دعمت مقالى الذى نشر على مدونتى الإلكترونية بالعديد من المصادر ، ولم أدرك فى هذا الوقت أن عاما بالتمام والكمال يفصلنى عن نيل شرف الحكم على بالسجن لنفس السبب الذى أعدمت من أجله ، الدفاع عن الحرية التى ينتهكها الطغاة ، هل هناك من يرى فى شعورى بالسعادة والنشوة أمرا غريبا ؟.. لا أتمنى ذالك ! .

 

فى إبريل عام 2006 طاردنى شبح الإغتيال ، وضع اسمى ضمن قائمة تضم أكثر من ثلاثين شخصية عربية من الكتاب والمفكرين والباحثين والنشطاء ،هددت جماعة مجهولة كل هؤلاء بالقتل خلال أيام ثلاثة ما لم يبادروا بالإعلان عن توبتهم وتراجعهم عن أفكارهم أو مواقفهم،أعترف أن الخوف كان قد إستولى على فى هذه الأيام ، رغم أن جدية هذا التهديد كانت محل شك ، لم يكن عمرى وقتها قد تجاوز الثانية والعشرين ، حالة من الرعب كانت تتملكنى عندما أسير فى الشوارع والطرقات متجاوزا كل من يحاول إستيقافى حتى إن كنت أعرفه ، فى اليوم الذى انتهت فيه تلك المهلة  كنت أشاهد مع أحد أصدقائى الفيلم الألمانى " صوفي شول : الأيام الأخيرة " بمركز الابداع بالاسكندرية ، وخرجت من المكان و روح " صوفى " قد تلبستنى ، نسيت معها كل شىء ، وكدت أن أصرخ بأعلى صوتى: " اقتلونى ان شئتم لم أعد أخاف ".

حررتنى "صوفي شول" من مخاوفى وجعلتنى أدرك أن الانسان لا يملك فى حياته سوى خيارين إثنين يتوقف عليهما مصيره: إما أن يربح نفسه حتى على حساب علاقته بالناس ورضاهم عنه ،وإما أن يجنى رضى الناس وقبولهم ويخسر نفسه ، تعلمت من "صوفي" أن أرضى ضميرى حتى وإن هدد ذالك سلامتى وحياتى ، وأصبح هذا ديدنى فيما بعد .

 

كانت أيامى الأولى داخل سجن الحضرة الذى قضيت به فترة الحبس الاحتياطى بالغة الصعوبة ، لم أكن أتخيل أن أمر بمثل ما مررت به عندما أدخلت الى السجن من حلق شعر الرأس كاملا وإجبارى على التخلص من فضلات أمعائى أمام الحراس للتأكد من أننى لا أخفى داخلها نقودا أو مواد مخدرة ، ثم نقلى إلى زنزانة إنفرادية لا تحتوى سوى على بطانية واحدة افترش نصفها واغطى جسدى بنصفها الاخر ، فى جو الشتاء السكندرى القارص البرودة ، وتحديد مدة ذهابى الى دورة المياه بعشرين دقيقه فقط يوميا هى كل الفترة التى كنت اقضيها خارج زنزانتى يوميا طوال شهرين كاملين ، لا أبالغ عندما أقول أن من ساعدنى على تجاوز هذه الفترة العصيبة هى روح "صوفي شول" التى تلبستنى ، كنت أدرك فى أعماقى أننى على حق ، وأن وجودى فى هذا المكان أمر عارض حتى وإن استمر لفترة طويلة ، كنت أبتسم دائما وأحير سجانى الذين توقعوا إنهيارى منذ اللحظة الأولى ، لكن صوفيا ، وفتاة أخرى كنت مغرما بها طوال فترة سجنى أعانونى على الصمود ! .

 

سهر ، "صوفي شول" أخرى معاصره ! ، لم ألتقى بها قبل سجنى سوى مرتين إثنتين ، وكانتا كافيتين تماما ! ، ساعدتنى هذه الفتاة دون أن تقصد – هى الأخرى - على الصمود ، لم تكن قد تجاوزت التاسعة عشرة من عمرها بعد وقت أن التقيت بها فى إحدى زياراتى للقاهرة ، وجدت أمامى شخصا مختلفا تماما ، من السهولة بمكان أن تلوك الألسنة العبارات الفخمة وأن ترتفع الحناجر بالهتافات الرنانة ، وأن تمتلىء دفتى الكتب بملايين العبارات الجزلة والتعبيرات البلاغية ، لكن الأمر لا يكون بهذا اليسر وتلك السهولة عندما يحين وقت التطبيق ، عندها تجد الكاتب الكبير الذى يطل علينا بمقاله اليومى فى الصحيفة الواسعة الانتشار او ذالك المفكر المعروف الذى تنفذ طبعات كتابه فور صدورها يتصرف بطريقة لا تتفق وما يعلنه من أفكار .

كانت سهر – ولا زالت – فتاة حرة بكل ما تحمله الكلمه من معان ودلالات ، قلما إلتقيت بأشخاص يطبقون فى حياتهم ما يعتنقونه ويؤمنون به ، وسهر كانت واحدة من هؤلاء ، فتاة صغيرة تؤمن بنفسها وتدرك من أعماقها أنها حرة ، لا يحق لأحد مهما كان انتزاع حريتها منها ، دفعت ثمن ذالك باهظا جدا ، لكنها لم تتغير ، لست هنا بصدد الخوض فى تفاصيل لا تعنى أحدا غيرها ، لكننى فقط وددت أن أشير إلى بعض هؤلاء الذين ساعدنى تذكرهم وأنا داخل السجن على الصمود والبقاء " على قيد الحياة " دون مبالغة .

عندما أدخلت إلى زنزانتى الإنفرادية فى عنبر (ج) بسجن الحضرة بالاسكندرية ، وجدت على الحائط رسما يصور وجه فتاة ، تخيلتها سهر ، وبدأت أنفذ خطتى الخاصة لمقاومة مخطط الإنهيار النفسى الذى إستخدم معى ، تمثلت أدواتى فى بضع وريقات قليلة وقلما استعرته من أحد السجناء ، ولم أعده مرة أخرى ، وبدأت أكتب يوميات من نوع خاص ، لم يكن الغرض وراء هذا النوع من الكتابة تسجيل لحظات عصيبه أمر بها فى هذا المكان ، بقدر ما كنت أحاول التواصل مع نفسى ومع وجه صديقتى المنقوش على الحائط والذى تخيلته لسهر ، و فى الواقع فقد كان يشبهه كثيرا ، فى مكان لا أجد فيه أحدا يشبهنى ، وبدأت أتخيل كل مساء أن سهر تقيم معى بالزنزانة ، وأحكى لها كتابة تفاصيل ما مر بى فى هذا اليوم ، كان الجميع من سجانين وضباط وسجناء تنتابهم حالة من الاستغراب وهم يرون تلك الابتسامة التى تعلو وجهى دائما رغم صعوبة حياتى داخل السجن ، فى وقت لم يتطوع فيه أحد بزيارتى سوى صديق أصر شقيقى على منعه من الدخول وإستجاب له الحراس ومنعوه !.

كنت أدون كل شىء متخيلا أن سهر تقرأ ما أكتبه ، وأحيانا كنت أتمادى لأتخيل ردات فعلها ، وظللت على هذا الحال حتى يوم الإفراج عنى ، وفى الواقع لم تتح لى أى فرصة لتواصل حقيقى مع سهر قبل خروجى من السجن ، ولكن رغم كل شىء أحفظ لتلك الإنسانة الرائعة والصديقة التى أعتز بصداقتها ذالك الجميل الذى يطوق عنقى دائما ، هذا الجميل الذى يتمثل فى وجودها وبقاءها كرمز للجمال والصمود والمقاومة والحرية فى عالم يعج بالقبح والإستسلام والتكيف مع الأغلال .

 

كانت صوفيا شول ورفقائها ، وأيضا سهر ، حاضرون معى دائما منذ البداية ، كتبت أسمائهم على جدار الزنازين التى أقمت بها ، أذكر أننى حفرت أسماء صوفيا شول وهانز شول وكريستوف بروبست على باب الزنزانة بعد أيام من وضعى داخلها ، ودونت تحتها تاريخ الثانى والعشرين من فبراير عام 1943 والذى وافق محاكمتهم وإعدامهم ، ولم أكن أتخيل وقتها أننى سأنال شرف أن يصدر حكم على فى ذات التوقيت فى ذكراهم الرابعة والستون .

 كنت قد عدت من إحدى جلسات محاكمتى يوم الأول من فبراير عام 2007 ، توجهت إلى مكتب مسير العنبر وسألته عن موعد الجلسة التالية ، فحص دفاتره وأخبرنى أنه قد حددت لى جلسة الثانى والعشرين من فبراير للنطق بالحكم ، حينها إعتلت وجهى إبتسامة عريضة لم يفهمها هؤلاء المحيطين بى ، تصور البعض أننى متفائل بالحكم الذى سيصدر فى قضيتى ، ولم يدرك أحد منهم السر وراء إبتسامتى ، منحنى القاضى الذى كان ينظر فى قضيتى دون أن يقصد شرفا لم أتصور أننى سأحظى به ، ورغم أننى كنت أدرك أن الحكم على لن يتجاوز السجن لبضع سنوات ليصل إلى الإعدام كما فى حالة البطلة " صوفى" ورفيقيها إلا أننى شعرت وقتها أن الطغاة يعترفون ضمنيا بأنهم يمتلكون نفس الوجه ويتشابهون فى كل شىء وتتكرر أساليبهم وممارساتهم فى كل زمان و كل مكان .

فى الثانى والعشرين من فبراير ، كانت روح صوفيا قد تلبستنى تماما ، ذهبت إلى جلسة المحاكمة غير مبال بما قد يصدر عنها ، كانت الحراسة مشددة على ويبدو أن هناك أوامر قد صدرت لمرافقى بالإعتداء على وإهانتى حتى أبدو فى حالة إنهيار عقب صدور الحكم ، لم أهتم كثيرا عندما أدخلت القفص كى أستمع إلى حكم سيحدد مصيرى لسنوات مقبلة ، أذكر أننى فقط كنت أتصفح وجوه الحاضرين ولم أعط إهتماما كافيا لما ينطق به القاضى ، خرجت من القفص وأنا لا أذكر على وجه التحديد المدة التى قضى بها على وفيما بعد سألت أحد الحراس الذى أخبرنى بمضمون الحكم ، لم أفكر فى الأمر ولم أعره أى إهتمام ، وبدأ الحراس فى تعنيفى لفظيا وبدنيا حتى أبدو أمام كاميرات المصورين وأنا فى حالة من الإنهيار التام .

 

عندما عدت إلى السجن وفى طريقى إلى زنزانتى قابلت أحد المسجونين الذين أعرفهم ،ظن لوهلة أننى قد برأت عندما لم يلحظ على وجهى أى علامات للتأثر أو الإنهيار التى تطل عادة من وجوه من يعودون من الجلسات محكوم عليهم ، وبعد لحظات صرخ فى وجهى مستنكرا هدوئى الذى يرى فيه رد فعل بارد عندما أخبرته بلهجة غير مبالية أننى قد حكم على بالسجن لأربع سنوات فقط ! .

دخلت زنزانتى وقد وطنت نفسى على أننى سأبقى فيها فترة طويلة ، لم أعلق آمالا على الإستئناف ، ولم أهتم كثيرا باحتمالات البراءة أو التخفيف ، وفضلت الإستمرار فى التعامل مع الواقع داخل السجن بمنطق المغامرة ! ، أنا الآن فى مكان جديد ، كلفت نفسى بمهمة محددة : أريد أن أستكشف هذا المكان !!.

، مما يميز السجن من وجهة نظرى أنه يحوى نوعيات مختلفة من البشر لا يستطيع أحد أن يلتقيها فى مكان واحد ، كنت أتعامل كسائح أو مستكشف يقضى أياما طوالا فى مكان غير ملائم كى يتعرف على أشياء جديدة .

 

طيف "سهر" كان هو الصديق الذى يلازمنى فى زنزانتى طوال الوقت ، حكايات كثيرة رويتها له على تلك الوريقات ، ولم أمل ، كنت أشعر بمتعة غير محدودة عندما أروى له ما يحدث لى وحولى ، لم يكن فى الزنزانة أى ضوء ، وكنت أعتمد فى الرؤية ليلا على بصيص من نور المصباح الذى يضىء الطريق خارج العنبر .

بعد أيام قليلة صدر الأمر بترحيلى من سجن الحضرة الذى كنت أقضى به مدة الحبس الإحتياطى ، إلى سجن برج العرب الواقع وسط صحراء مدينة الإسكندرية ، لملمت أشيائى البسيطة من الزنزانة ، و ودعت وجه رفيقتى الذى لم أره مرة أخرى بعد ذالك ، وذهبت إلى الصحراء !.

 

لم تكن تلك المرة الأولى التى أذهب فيها إلى سجن برج العرب ، فلقد سبق ورحلت إليه بعد خمسة أيام من حبسى ، ولم تقبلنى إدارته لعدم إستيفاء الأوراق وأعدت إلى قسم الشرطة الذى كنت محتجزا فيه مرة أخرى ، فى المرة الأولى استقبلت وبقية النزلاء بسيل من الشتائم والاهانات دون سبب ، تعمد إدارات السجون فى مصر إلى كسر كرامة النزلاء عند دخولهم إلى السجن و بث الرعب والفزع فى قلوبهم حتى تضمن السيطرة الكاملة عليهم ، لا تمتلك تلك الإدارات طريقة أخرى لإحداث ذات الأثر سوى عن طريق سب النزلاء وإهانتهم والإعتداء عليهم لإهدار كرامتهم ، فى المرة الثانية ذهبت إلى هناك دون أن يصاحبنى نزلاء آخرون ، وكانت المعاملة مختلفة قليلا ، إختفت الإهانات اللفظية والتعنيف البدنى ، وحلت محلهما أسئلة كثيرة لا معنى ولا مبرر للإصرار على معرفة إجاباتها ، وجه لى بعضها رئيس المباحث مستفسرا عن تفاصيل ما قرأه داخل ملف قضيتى عن الاتهامات التى وجهت إلى وأدنت بسببها ، لم يكن لدى ما أخفيه وأجبته عن كل تساؤلاته حتى تلك التى تخص موقفى من الدين وتتعلق بإيمانى من عدمه بوجود إله ، لأجده يصدر أمره إلى فرد المباحث الذى كان يرافقنى بإقتيادى إلى مكان حدد قائلا : “ وديه مع مجدى ! “ ، لم أفهم ما يقصده سوى بعد فترة من الزمن ، ذهبت برفقة فرد المباحث هذا بعد أن فتش ملابسى و أمتعتى وصادر منها كل ما كتبته وأنا فى سجن الحضره من يوميات تتعلق بحواراتى التخيلية مع سهر ، لم أشعر بالحزن والأسى مثلما شعرت فى هذه اللحظه عندما إنتزع فرد المباحث هذه الأوراق من حقيبتى وذهب بها مدعيا أنه سيعيدها إلى مرة أخرى ، وبالطبع لم يفعل ! .

 

  سرت فى طريق طويل وبصحبتى فرد المباحث المكلف بنقلى إلى المكان المحدد ، كانت العنابر متراصة على اليمين واليسار ، أحاول وأنا أمشى إستكشاف هذا المكان الضخم الذى أدخل للمرة الأولى إلى أعماقه ، ووصلت بعد دقائق من السير إلى الهدف المحدد ، مبنى صغير من طابق واحد ، تعلوه لافتة مكتوب عليها " عنبر شديد الحراسة " .

 

  إقتادنى فرد المباحث إلى الداخل وهناك وجدت فردين آخرين فى إنتظارى أحدهما يرتدى زى الشرطة الرسمى والآخر فى ثياب مدنية ، وجدتهم يعيدون تفتيشى مرة أخرى وإستغربت وسألتهم عن السبب ، فرد على أحدهم أن هذا المكان مختلف عن بقية السجن ويجب أن نعيد تفتيش النزلاء مرة أخرى عندما يدخلون إليه ، زادت حدة إستغرابى وفضولى الذى ترجمته بالسؤال عن طبيعة هذا المكان ، ليجيبنى المخبر والابتسامة تعلو وجهه : “ أنت الآن فى الملاحظة " ! لم أفهم شيئا وإستفسرت مرة أخرى ، فأجابنى بلهجة نملؤها السخرية : “ لا تقلق أنت فى مكان يشبه المستشفى .. ستستمتع بإقامتك هنا " … أغلقت فمى على مضض وهبطت معهم لعدة درجات قبل أن أجد أمامى بوابة حديدية فتحها أحدهم لأجد خلفها عدد من المسجونين يرتدوا ثيابا حمراء ومعهم رجل آخر يرتدى زيا أبيض ، أدركت على الفور أنهم محكومون بالإعدام وقبل أن أفيق من هذه الصدمة وأفكر فى تفسير منطقى لهذا الموقف ، سمعت صوتا غليظا يصيح فى: " تعالى هنا يا ابن المتناكه " إنزعجت بشدة ووجدت أمامى مخبرا طويل القامه هو الذى صاح فى طالبا منى بأسلوب وقح أن أتوجه اليه .. إقتربت منه ، وقبل أن أفتح فمى وجدته يسألنى : “ إنت إعدام يا ابن الوسخة ؟! “ إزدادت حدة صدمتى وإنزعاجى وأجبته نافيا الأمر ، فنهرنى طالبا منى الرجوع للخلف والإبتعاد عن المكان ، ولم أفهم شيئا قبل أن يتوجه إليه المخبر الذى كان يرافقنى ويتحدث إليه هامسا ، بعدها تحرك هذا المخبر ناحيتى وتحدث إلى مخففا قليلا من حدة حديثه ، كنت وقتها قد تذكرت أين رأيت وجه هذا الرجل من قبل ؛ فى الحادى عشر من نوفمبر عام 2006 كنت قد رحلت إلى سجن برج العرب بصحبة عدد من المسجونين الجنائيين ، وعندما ولجنا من بوابة السجن كان عدد من المخبرين يستقبلوننا بسيل من الشتائم والإهانات والعنف ، وتذكرت أن هذا المخبر كان واحدا ممن إستقبلونا فى هذا اليوم على بوابة السجن ، ويبدو أنه كان مدربا بعناية على كيفية التعامل مع الإيراد الجديد من المسجونين بإستخدام قاموس لا ينتهى من الإنحطاط والبذاءه وقلة الأدب .

فتح المخبر بوابة حديدية أخرى لأجد طرقة ضيقة على يسارها عشر زنزانات متراصة ، على باب عدد منها ملصق مكتوب عليه اسم ساكنها وتهمته ومدة حكمه وتاريخ إنتهاءه ، لا أعرف لماذا ذكرنى هذا الملصق باللافته التى توضع على أقفاص الطيور والحيوانات فى حدائق الحيوان ، إصطحبنى المخبر حتى الزنزانة الأخيرة ، طلب منى الدخول ، أدخلت معى متعلقاتى ، وبعد ذالك وضع داخل الزنزانة وعاءا جردلا بلاستكيا أبيض قائلا لى : “ ده عشان تشخ فيه ! “ ، إبتلعت الإهانة على مضض قبل أن يغلق الباب خلفى لأجد نفسى داخل زنزانة يلفها ظلام دامس .

 

قضيت الليلة أتحدث مع المسجونين الآخرين المقيمين فى الزنازين المجاورة ، أحدهم أخبرنى أنه يمنى الجنسية ومسجون فى قضية مخدرات منذ ستة عشر عاما بعد أن جاء الى مصر فى رحلة سياحية لينتهى به فى المطاف بين السجن والمحكمة ليحكم عليه فى النهاية بالمؤبد لحيازة مخدر الهيروين ، أخبرنى عن طبيعة المكان الذى نقيم فيه والذى كنت أجهله ، عنبر شديد الحراسة هو المكان المخصص للمحكومين بالإعدام والموقع عليهم جزاءات تأديبية لمخالفتهم قانون ولائحة السجون ، وأخبرنى أنه بالإضافة إلى ذالك فإن إدارة السجن تعمد إلى وضع مسجونين آخرين لم يرتكبوا أى مخالفات داخل هذا المكان لعزلهم عن الباقين للتنكيل بهم ، كان وقتها قد قضى ما يقرب من الشهرين داخل هذا المكان الذى يعرف بملاحظة المخصوص ، وأخبرنى أنه وضع هنا لضبطه وبحوزته هاتف محمول داخل أحد السجون الأخرى وانه قد تم ترحيله ليقضى فترة ستة أشهر داخل هذا السجن كعقاب له على إستخدامه للهاتف المحمول داخل السجن ، فى الجوار أيضا كان هناك عدد من المسجونين وقعت عليهم عقوبات تأديبية ويقضون فترات داخل الملاحظة ، كانت ادارة السجن تخالف اللائحة فى تعاملها مع هؤلاء المحتجزين ، فقد كانت تعمد إلى تعذيبهم بدنيا وحرمانهم من الطعام ، كانت تقدم لهم يوميا نصف رغيف من الخبز البلدى وقطعة جبن صغيرة وزجاجة مياه فقط بغرض إبقائهم فقط على قيد الحياة وتعذيبهم فى الوقت ذاته .

بعد ثلاثة أيام استدعانى مأمور السجن ، وجدته ينتظرنى داخل مكتب قائد العنبر ، كان ضابطا مسنا يحمل رتبة عميد إستقبلنى بحفاوة مبالغ فيها ، وحذا حذو رئيس المباحث فى توجيه أسئلة لا مبرر لها تتعلق بقضيتى وبمعتقداتى الدينية ، وعندما وجهت إليه سؤالا يتعلق بالسبب وراء وضعى فى هذا المكان أخبرنى أنهم إضطروا لذالك حتى لا يتأثر بقية نزلاء السجن بأفكارى ومعتقداتى إن إختلطت بهم وتحدثت معهم ! . سألته عن مكتبة السجن وعن مدى إمكانية القراءة فيها ، فأخبرنى أن المسجونين غير مسموح لهم بالذهاب الى هناك ووعدنى بإرسال بعض الكتب الى زنزانتى لقراءتها وهو ما لم يحدث ! .

فى اليوم التالى كان قائد العنبر قد حضر من إجازته وبدأ بالمرور على الزنازين لتوزيع التعيينات ، عندما فتحت زنزانتى وجدت أمامى ضابطا شابا برتبة نقيب ، نظر إلى شذرا قائلا : “ الخلقة دى مش غريبة على " ، نظرت إليه طويلا ولم أرد ، وفى حقيقة الأمر فإنه لم يكن قد سبق لى أن رأيته فى حياتى ، فقط كان يحاول إيهامى بأنه يعرف عنى كل شىء ، وجدته يزيحنى من طريقه ويدخل الى زنزانتى ويقلب محتوياتها بعصا فى يده ، التقط فرشاة أسنانى وتفحصها قليلا قبل أن يفتح فمه ويخبرنى أنها ممنوعة ، تمالكت نفسى بأعجوبة ، قبل أن أخبره ببراءة مصطنعه أننى أحتاجها لغسل أسنانى !! ، عرض على حينها أن يكسر العصا البلاستيكية ويعطينى الفرشاة فقط أو أن يضعها فى درج مكتبه لأطلبها من الجندى كل صباح وأعيدها مرة أخرى ، كان الأمر محيرا بالنسبة لى خاصة أننى لم أجد سببا مقنعا يمنعنى من حيازة مجرد فرشاة أسنان بلاستيكية ، زعم أن ذالك ضرورى لأمن العنبر حتى لا أستخدمها فى مقاومة الحراس والهرب !! سحقا لهذا الغباء المستحكم !.

سألنى قبل أن يغلق باب الزنزانة عما إذا كنت مستريحا فى إقامتى بها ، حركت رأسى دون أن أتحدث ، رد على قائلا : " دى كانت زنزانة عزت حنفى الله يرحمه قبل ما يتعدم .. بيطلع فيها عفاريت بالليل " إبتسمت فى صمت لأنقل له عدم مبالاتى بما يقول ، خاصة أننى لا أؤمن بخزعبلات الأشباح والجن وخلافه ، قبل أن أفتح فمى وأقول له متحديا : “ ده شىء كويس .. على الأقل هلاقى حد يسلينى بدل ما أنا قاعد لوحدى ! “ ، ويبدو أن ردى وإبتسامتى قد سببا له قدرا من الإحباط فسارع بإغلاق الباب والرحيل !.

قضيت فى ملاحظة المخصوص خمسا وستون يوما متواصلين ، تميزت تلك الفترة بصعوبتها الشديدة ، كان زملائى فى الزنازين المجاورة يعانون من الجوع الشديد ومن الحرمان من التدخين ، و بعضهم كان يحاول إجتياز تلك العوائق بأساليب مبتكرة ، أحدها يتمثل فى فتل حبل طويل بإستخدام أنسجة البطانية الميرى الوحيدة التى بحوزتهم وأخراجه من الفتحات الموجودة فى أبواب الزنازين وتوصيله بطريقة ما الى الزنازين الأخرى ومشاركة الطعام والسجائر التى يتحصل بعضهم عليها بين الحين والآخر فيما بينهم دون علم الإدارة ليلا ، كان الأمر طريفا ومرعبا فى الوقت ذاته ، فقد كان قائد العنبر يعنف وبشدة من يكتشف لجوئهم لتلك الحيلة ،  كان يكبلهم بالقيود المعدنية ويعلقهم فى احد الأبواب ليقوم بجلدهم ،دائما ماكان يصل إلى أسماعنا صراخ هؤلاء المعذبين قادما من جهة مكتب قائد العنبر الذى لم يكن يتورع عن إرتكاب أبشع الانتهاكات ضد المسجونين لأسباب تبدو تافهه فى معظم الأوقات .

فى أحد الأيام قام أصدقاء لى بزيارتى ، عدت من الزيارة ومعى بعض المواد الغذائية منها الشاى والسكر والقهوه وخلافه ، ولم يكن مسموحا لنا فى زنازين ملاحظة المخصوص بحيازة الغلايات الكهربائية او إستخدامها ، شعرت فى الليل برغبة فى تناول قدح من الشاى الذى لم اكن قد تذوقته لفترة طويلة ، رفعت صوتى مناديا على الحارس المكلف بمراقبتى وطلبت منه أن يحضر لى قليلا من الماء الساخن ، ذهب الرجل وفى ذهنى أنه سيعود ومعه ما طلبته منه ، عاد بالفعل بعد قليل وبرفقته لفيف من المخبرين والحراس قبل أن أنتبه إلى أن قائد العنبر النقيب حسام هشلة قد حضر معهم ، وقف الرجل خلف نافذة المراقبة ، ليسألنى ان كنت قد طلبت ماءا ساخنا من الحارس ، فأكدت له الأمر مستغربا حضوره فى هذه الساعة المتأخرة من الليل لسؤالى عن ذالك ! ، وجدته يسألنى بلهجة يغلفها بعض الحزم قائلا : “ إنت مش عارف ان ده ممنوع " ، نظرت اليه شذرا محاولا أن أفهم قليلا مما يدور حولى ، وأجبته بسؤال آخر محاولا معرفة السبب وراء منع دخول الماء الساخن الى زنزانتى لصنع كوب من الشاى ، فوجدته يستغرب سؤالى قائلا : “ إنت متعرفش الميه السخنه ممكن يتعمل بيها ايه .. ده ممكن يتعمل بيها بلاوى سوده !! “ … ثم أردف بلهجة ساخرة : “ دى المياه السخنه ممكن نولد بيها ست حامل !! “ ، صمت للحظات محاولا إدراك ما اذا كان يقصد توجيه اهانة لى ، قبل أن أبادره بالسؤال عن الكيفية التى يمكن بها إعداد كوب من الشاى دون الحصول على الماء الساخن أو على مصدر لتسخين الماء ، فإنفعل قائلا : “ إنت كمان عاوز تسخن مياه فى الزنزانة ؟؟!! إوعى تكون بتسخن مياه على الخابور .. إنت معاك كبريت ؟؟!! “ … ولمن لا يعرف فإن الخابور فى عرف المسجونين هو أداه بدائية تستخدم فى تسخين الماء بشكل غير صحى ، يلجأ اليها المسجونين فى حال عدم قدرتهم على توفير غلاية كهربائية ، و تعتمد على تجميع قطع بلاستيكية واشعال النار فيها تحت زجاجة مياه غازية بلاستكية معبئة بالماء والسكر والشاى ومغلقة بإحكام ، لم أفكر إطلاقا فى اللجوء الى هذه الطريقة من قبل كونها غير صحية وبالغة الخطورة ، لكن خيال الضابط كان قد سرح به بعيدا ليظن أن بحوزتى بعض أعواد الثقاب التى قد استخدمها فى اشعال النار داخل الغرفة بغرض اعداد الشاى .

فى اليوم التالى إستدعانى الضابط الى مكتبه وسألنى ان كان بحوزتى أعواد الثقاب فنفيت الأمر ، أرسل إلى زنزانتى أحد افراد المباحث لتفتيشها ،لم يجد الرجل ما يبحث عنه ، فعاد من حيث أتى ليخبر الضابط الذى إنفعل بشدة عندما علم أن بحوزتى بعض الأقلام ، وطلب من المخبر أن يعود إلى زنزانتى كى يأخذها على وجه السرعه ، ففى نظره هى أخطر ما يمكننى حيازته فى السجن ، حضر المخبر وفتش امتعتى هذه المرة بغرض إستخرج الأقلام ، كنت أتوقع الأمر من قبل فعمدت إلى إخفاء أنبوبة أحد الاقلام داخل ثنيات اقمشة حقيبتى ، عثر المخبر على الاقلام ومعها جسم القلم الذى انتزعت انبوبته وطلبها منى  ، أخبرته أنها تلفت منى وأننى تخلصت منها فى جردل البراز بالغرفة ، أحضر المخبر أحد المسجونين العاملين فى العنبر وطلب منه أن يبحث داخل جردل البراز عن أنبوبة القلم ، ولم يعثر عليها المسجون بالطبع لأنها لم تكن بالداخل ، فهددنى المخبر بإعادة تفتيش أمتعتى مرة أخرى وتمزيق كل شىء فى سبيل العثور على أنبوبة القلم ، ولم أجد بدا أمام تهديده سوى أن أستخرج الانبوبة من مخبئها والقيها له على الارض لينحنى أمامى ويلتقطها وكأنه قد عثر على صيد ثمين !! .

لم يكن بحوزتى أقلام أكتب بها فيما بعد فلجأت إلى حيلة جديدة ، كنت أطلب طعاما من كافيتيريا السجن وفى بعض الأحيان كانوا يحضرونه داخل أورق الفويل ، ووجدت بإمكانى أن أصنع أقلاما من هذه الأوراق المعدنية عن طريق طويها وصنع سطح مدبب بنهايتها ، ونجحت ، ولكى أوصل رسالة لقائد العنبر مضمونها أنه لن يتمكن من قهرى مهما حدث تعمدت إستخدام قلم الفويل فى كتابة عبارات تحمل هذا المعنى على الحائط ، وفى كل مرة كان يجد تلك الكتابات يبادر بنقلى الى زنزانة أخرى ويطلب من المسجونين المصنعين للعمل فى العنبر بمسح الكتابة من على جدار الغرفة ، وعندما كان يحضر فى اليوم التالى يجد كتابات جديدة على جدار الزنزانة الأخرى فكان يعيدنى الى الزنزانة القديمة ويكرر الأمر ولم أتوقف ! .

فى المرات القليلة التى إلتقيت بها مأمور السجن إنتابتنى حالات من الإحباط وخيبة الأمل ،فالإبتسامة الصفراء التى كان يستقبلنى بها فى بداية الأمر والوعود المتناثرة بتحسن وضعى مع الوقت لم يكن لها أى صدى على أرض الواقع ، إستمر الأمر على هذا الحال حتى هذا اليوم الذى التقيته فيه وأنا عائد من الزيارة العائلية الأخيرة التى شاهدت فيها والدى وشقيقاى لآخر مرة ، كنت فى حالة نفسية سيئة جدا بعد حديث مع عائلتى غلب عليه المساومة والتهديد ، مساومتى بطلبهم منى الاعلان عن توبتى وتبرأى من كتاباتى مقابل الاستمرار فى زيارتى ، والتهديد بقطع صلتهم بى والامتناع عن زيارتى مرة اخرى ان لم استجب لهم ، وكانوا قد أحضروا معهم كتاب دينى يحمل على غلافة رسما لجماجم وعظام ونيران مشتعله ومعنون بـ " عذاب القبر " ، بغرض تخويفى وأنا فى هذه الحالة داخل السجن ودفعى للإستجابة لهم كرها ، عدت متعبا مرهقا ومحبطا ، بعد أن قرروا فى النهاية الامتناع عن زيارتى بعد أن يأسوا من إخضاعى لما يريدون ، التقيت العميد جمال مخيمر مأمور السجن جالسا على جانب الطريق إقتربت منه لأسأله عن الوقت الذى سينقلنى فيه من ملاحظة المخصوص إلى عنبر آخر موضحا له اننى لم أعد احتمل البقاء هناك أكثر من ذلك ، كانت اجابته صادمة لى ، لم تختلف كثير عن مضمون الحوار العقيم الذى أضعت فيه وقتا مع أفراد عائلتى فقد فوجئت بمأمور السجن يجيبنى قائلا بالحرف الواحد : " إنطق الشهادتين وأنا أنقلك " .. لم أمتلك سوى نظرات الإشمئزاز أرمقه بها قبل أن أتحرك عائدا إلى زنزانتى .


طوال هذه الفترة كنت ممنوعا من مغادرة الزنزانة سوى للزيارة او لمقابلة من يطلبنى من الضباط ، دورة المياة كانت ممنوع على الذهاب اليها فى معظم الاوقات حتى لغرض الاغتسال أو غسل ملابسى ، حتى وصل الأمر بى الى حد ان قضيت ثلاثة أسابيع كاملة دون أن تمس جسدى قطرة من المياه ، أصابتنى حالة من الإكتئاب الشديد خاصة عندما لاحظت ظهور قمل داخل ملابسى وهو الأمر الذى لم يحدث من قبل وقررت الدخول فى إضراب تام عن الطعام والشراب ، حضر الضابط كعادته يوميا لتوزيع التعيين فرفضت إستلامه وأخبرته عن بدء إضرابى عن الطعام ، سألنى عن السبب فأخبرته أننى لا أرى أن هذا هو المكان المناسب لى وأنه ينبغى نقلى من هذا العنبر الى مكان آخر وحتى يتم الاستجابة لمطلبى سأضرب تماما عن الطعام والشراب ، عنفنى قائلا : “ إوعى تكون فاكر انك ممكن تلوى دراعنا .. الداخلية دراعها ما يتلواش " .. نظرت الى شذرا و إكتفيت بالرد قائلا : “ هنشوف ! “ … عندها أمر بتجريدى من كل متعلقاتى الموجودة فى الزنزانة وأغلق الباب بعد أن ترك لى فقط بطانية صوف وحيدة .

إستمر اضرابى عن الطعام ثلاث ليال متتالية ، وفى اليوم الثالث استدعانى مأمور السجن وأخبرنى أنه سينقلنى من العنبر وسيستجيب لكل طلباتى خلال اسبوع واحد وفقط على أن أنهى إضرابى عن الطعام ، صدقته وأنهيت إضرابى ولم يحدث أى شىء ، عاد الضابط قائد العنبر من إجازته وهو ينوى التنكيل بى ، فى مساء أحد الأيام كنت أتحدث مع زملائى فى الزنازين المجاورة ، وحضر أحد المخبرين إلى نافذة المراقبة فى زنزانتى طالبا منى أن أكف عن الحديث وانام ، رفضت متحديا وأخبرته أن عليه هو أن يبحث عن شىء أكثر أهميه لينشغل به بدلا من أن يتدخل فيما لا يعنيه ، رد على مهددا بتعنيفى وضربى ، ورددت عليه بالمقابل ساخرا من أنه لا يملك سوى فم يطلق به التهديدات والشتائم ! .

استيقظت فى اليوم التالى على ركلة فى ظهرى ، كان "حسام هشلة" قائد العنبر قد حضر مبكرا وهو ينوى التنكيل بى بحجة تحدثى مع المخبر بشكل غير لائق استيقظت محاولا فهم مايحدث دفعنى أمامه مستخدما كل مفردات قاموس الشتائم والإهانات الذى درسه فى أكاديمية الشرطة ، حتى وصلت الى مكتبه ، فى المكتب هددنى بالتعذيب ، وأخبرته أن يفعل ما بدا له وهددته فى المقابل بتحريك قضية ضده ، إنفعل وأمر بإعادتى الى الزنزانة مرة أخرى وتكبيل يداى وقدمى ، محاولا إستغلال جهلى بلائحة السجون قائلا أنه لن يخالف القانون معى ، فقط سيعاقبنى بالتكبيل لمدة ثلاثة أيام بتهمة " إحداث هياج فردى " ! .

ملحوظة : لا يوجد جزاء يتضمن عقوبة التكبيل فى لائحة السجون ! .

تركنى الضابط على هذا الحال لمدة ساعتين ثم استدعانى الى مكتبه محاولا أن يظهر لى وجها مغايرا طالبا منى الإعتذار له وللشرطى ، ورفضت قائلا أنهم هم الذين أخطأوا فى حقى وأنا الذى أستحق أن يوجه لى إعتذار علنى وصريح وإلا سأقوم برفع قضية ضدهم ، رفع صوته آمرا أحد الجنود أن يعيدنى إلى زنزانتى على وجه السرعة قائلا: “ رجعوا إبن الكلب ده للزنزانة قبل ما أرتكب فيه جناية وآخد إعدام ! “ .

غادرت ملاحظة المخصوص فى الثامن من مايو عام 2007 ، بعد أن قامت النيابة العامة بالتفتيش على السجن ، وقامت إدارة السجن بنقل المسجونين المحتجزين فى التأديب بعنابر أخرى حتى لا يتم ضبط التجاوزات التى تقوم بها الإدارة فى حقهم ، لكننى عدت إليها مرة أخرى بعد خمسة أشهر ونصف ، عندما لفقت لى قضية التشاجر مع نزيل آخر وإحداث اصابة به للتغطية على تعرضى للتعذيب من قبل اثنين من المخبرين داخل أحد العنابر ، إستدعانى قائدالمجموعة بعد أن كسرت إحدى أسنانى خلال هذا الاعتداء وعندما أخبرته أننى أريد تحرير محضر بالحادث وإثبات إصاباتى بتقرير طبى أمر بوضعى فى الحبس الانفرادى وتلفيق القضية ، وقضيت هناك أسوأ عشرة أيام فى حياتى ، تعرضت فى البداية لتعذيب بدنى بشع والتهديد بتجريدى من ملابسى ، وتم نقلى الى الزنزانة محمولا على بطانية من الصوف بعد أن تم تكبيل يداى من الخلف وقدمى وتوصيل قيود اليدين والقدمين بعضها ببعض ، قضيت ما يقرب من ساعة كاملة على هذا الحال ، قبل أن تفك قيودى وتتم محاولة اجبارى على التوقيع على محضر يتضمن تبرئة ادارة السجن مما حدث لى ، وعندما رفضت وادليت باقوالى التى تدين المخبرين والادارة تم تمزيق المحضر وارسال اقوال مختلفة دون توقيع منى الى النيابة العامة التى احالت القضية الى إحدى المحاكم ، حكم على غيابيا فى البداية بالحبس لمدة شهر قبل أن تتم تبرئتى مما نسب الى ، خلال هذه الأيام شعرت بإنهيار قواى تماما ، فقد عوملت كبقية المسجونين الذين يقضون جزاءات تأديبية ، حرمت بشكل شبه تام من الطعام ، وكان طعامى يقتصر على رغيف من الخبز وقطعة جبن وزجاجة مياه كل يوم، لم أغادر الزنزانة طوال هذه الفترة ، وشعرت بإنقباض شديد عندما سيق نزيل أخرس محكوم عليه بالإعدام ويعانى من أزمة نفسية حادة لتنفيذ الحكم فى غرفة الإعدام المجاورة للعنبر ، كانت الأصوات تصلنى فى زنزانتى وهم ينفذون الحكم عليه وشعرت بقسوة هذا المجتمع وجبروته الذى يجرد الإنسان من حياته الذى لم يمنحها له ويكرر نفس الجرائم التى يعاقبه من أجلها مرة أخرى معه ، خرجت من ملاحظة المخصوص بعد عشرة أيام وقد أدركت أن شيئا فى قد إنكسر ، بقيت فى السجن بعد هذا الحادث ثلاث سنوات ، لم أكن مرنا فى وقت من الأوقات ولم أستسلم ، لكننى فقدت جزءا من القوة التى كنت أواجه بها خصومى وأتحداهم ، لم يقل حماسى للدفاع عما أؤمن به يوما ما ، لكن أصبحت أجد صعوبى كبيرة فى التعبير عن نفسى وإيصال الرسائل التى أرغب فى توجيهها ، أنا وحدى الذى شعر بهذا التغيير الذى أحدث فجوة داخلى جعلتنى فيما بعد الجأ أحيانا إلى إتخاذ مواقف شبه مرنه ، سرعان ما أندم عليها ، أعترف للمرة الأولى أن السجن ترك فى أثر سلبى ، وأؤمن فى أعماقى أننى سأتمكن يوما ما من محو هذا الأثر والتغلب عليه .

الاثنين، يونيو 25، 2012

إلى الثوار ناكرى الجميل: الجزاء من جنس العمل !

أشعر بالحزن والأسى الشديد عندما أجد بعض من يسمون أنفسهم بـ " الثوار " يهاجمون بكل عنف وحدة من وقف معهم وساندهم فى وقت تخلى فيه عنهم الجميع .
هل تذكرون نائب دائرة قصر النيل السابق الدكتور محمد أبو حامد شديد شاهين ، الذى وقف داخل مجلس الشعب الذى كانت تسيطر عليه أغلبية إخوانية سلفية ليفضح تواطىء السلطة التشريعية مع وزارة الداخلية والمجلس العسكرى ، ويرفع دليل إدانة الداخلية التى أطلقت الخرطوش على المتظاهرين عاليا داخل المجلس ؟؟!! هل تذكرون رد فعل نواب الإخوان والسلفيين الذين هاجموه بعنف وشراسة متوقعه ؟؟ وأيضا .. هل تذكرون موقف الثوار فى هذه الأيام عندما أشادوا بموقف أبو حامد ونددوا بما يفعله نواب الإخوان وخرجوا فى مظاهرات معارضة لتواطؤ الإخوان مع الداخليه ومشاركتها بالصمت والسلبية عن قتل المتظاهرين ؟؟!!!
نفس هؤلاء " الثوار " تغيرت مواقفهم مائة وثمانون درجة عندما فضل هذا النائب - الذى أحترمه وأقدره وأجله رغم إختلافى معه فى كثير من الأمور - أن يتخذ موقفا موافقا لأفكاره وقناعاته بدعم الفريق أحمد شفيق فى إنتخابات رئاسة الجمهورية فى مواجهة مرشح الإخوان الدكتور محمد مرسى ، بالطبع ليس من المنطقى أن ننتظر من الدكتور أبو حامد الذى يعرف الإخوان جيدا بحكم زمالته لهم تحت قبة البرلمان أن يمنح صوته لمرشح منهم وهم الذين شاركوا بالصمت على قتل المتظاهرين فى شارع محمد محمود وفى شارع القصر العينى أمام مجلس الوزراء ، ولكن اللامنطقى فى الأمر أن يمنح هؤلاء الثوار أصواتهم لرئيس حزب الحرية والعدالة الذى شارك نوابه فى مهزلة الصمت على جرائم الداخلية بحقهم ، واتهموهم بتعاطى المخدرات ، وممارسة الجنس داخل خيام الإعتصام ، ولكن هذا ما حدث ، أصوات من يسمون بالثوار - وبعضهم أصيب تحت سمع وبصر الإخوان المسلمين فى محمد محمود وفى القصر العينى - ذهبت - عن طيب خاطر - إلى محمد مرسى لترجح كفته أمام شفيق ، هذا بالطبع إن إستبعدنا صحة ما يثار الآن عن تعديل النتائج فى اللحظات الأخيرة لتلافى تنفيذ الإخوان لتهديدهم بإحراق الأخضر واليابس .
هؤلاء الثوار يشنون الآن أبشع هجوم على أبو حامد الذى لم يدخر وسعا فى التضامن معهم والدفاع عنهم أمام برلمان العار ، برلمان قندهار المنحل ، فى وقت لم يكن تحت القبة الكثير ممن يصح أن نسميهم بـ " النواب المحترمين " ، وقف أبو حامد وحيدا أمام طوفان عارم من الهمجية تمثل فى ردود فعل النواب السلفيين والإخوان داخل المجلس الذين لم يدخروا وسعا فى التشهير به ومحاولة تشويهه ، وقف ليدافع عن ما يراه حقا وعدلا فى مواجهة السلفيين والاخوان الذين باعوا الثورة والثوار فى سبيل نيل بعض المكاسب السياسية الزائفة .
 كانت النتيجة الغير منطقية أن وضع الثوار الأغبياء أياديهم فى أيدى أعدائهم الذين طعنوهم بكل عنف وقسوة فى ظهورهم ، إتفقوا سويا على تشويه هذا الإنسان الشريف الذى  لجأ لضميره فى لحظات غيب فيها هؤلاء الهمج ضمائرهم لصالح مصالحهم الخاصة الضيقة .
قد أجد نفسى أحيانا ألتمس العذر للأغبياء والمغفلين والمتأخرين عقليا ، لكنى لا أستطيع أن ألتمس أى عذر لناكرى الجميل الذين يتناسون سريعا من وقفوا بجانبهم وخاطروا من أجلهم ، وللأسف فإن كثير من الثوار  يتمتعون بهذه الخصلة الرديئة ، بل إن بعضهم يمتلك ذاكرة قصيرة المدى لا تسعفه كى يتذكر من كان معه بالأمس ومن كان ضده لتجدهم يعقدون تحالفات لا تتفق وأهدافهم المعلنة ومطالبهم المشروعة ، ولا تتفق حتى مع طبائع الأمور وتطورات الأحداث .
جماعة الإخوان المسلمون التى باعت الثوار للداخلية وللمجلس العسكرى منذ الإستفتاء على التعديلات الدستورية ، ووصمهم المحسوبين عليها بأبشع النعوت والأوصاف ، وأيدوا قتلهم دهسا بالمدرعات ورميا بالرصاص فى ماسبيرو ومحمد محمود وفى شارع القصر العينى ، تحولت وبقدرة قادر إلى واحدة من القوى الثورية التى يدعم هؤلاء الثوار الأغبياء مرشحها فى إنتخابات الرئاسة ويحتفلون بنجاحه فى ميدان التحرير ومختلف الميادين المصرية .
معشر الثوار : أكره غبائكم وأشفق عليكم فى الوقت ذاته من مصير أسود ستلقونه - حتما - على يد هؤلاء المجرمين الذين منحتموهم أصواتكم عن طيب خاطر لنقائكم الزائد عن الحد الذى أخشى أن يؤدى بكم فى نهاية المطاف إلى غياهب السجون وأعواد المشانق كما حدث مع رفاق لكم آخرين وثقوا فى جماعات مشابهة وساعدوها قبل ثلاثين عاما على الوصول إلى السلطة فى إيران ، وكلكم يعرف كيف إنتهى بهم الحال .
عاندتم وهذه هى نتيجة عنادكم ، رئيس لا ينتظر منه أى خير ، فالخلفية التى أتى منها مشبعة بثقافة السمع والطاعه والأمر والنهى ، الجذور الفكرية والثقافية لجماعته تعتمد على اقصاء المختلفين وقمعهم ، جماعته تورطت فى الماضى فى سفك دماء مدنيين أبرياء لمجرد الإختلاف ، أصولها الفكرية لم تتعدل ولم تتغير ، وأنتم ساعدتموها على تحقيق أحلامها القديمة بالسيطرة على مصر وتحويلها إلى مجرد إمارة تابعة لدولة الخلافة الإسلامية .
ستعضون غدا أصابع الندم .. وستبكون كما بكى أبو عبدالله الصغير وهو يتطلع خلفه إلى قصر الحمراء فى غرناطه ، لن ينفعكم الندم وأنتم تساقون إلى السجون أو أعواد المشانق أو وأنتم مطاردون فى المنافى ، ستبكون وتندمون على تلك اللحظة التى سلمتم فيها رقابكم للإخوان المجرمين الذين لن يرحموكم ، ولن يحفظوا لكم جميلكم الذى أوصلهم إلى سدة الحكم ، كما لم تحفظوا الجميل لمن دافع عنكم وواجه وحده المنافقين والأفاقين الذين كانوا يجلسون تحت قبة المجلس المنحل .
لا تلوموا الإخوان وقتها على صنيعهم المرتقب بكم .. فالجزاء من جنس العمل .

الأحد، يونيو 17، 2012

منطقة سجون برج العرب : صور وتفاصيل



الصور أعلاه لمنطقة سجون برج العرب الواقعه بصحراء الأسكندرية ، حيث قضيت 1251 يوما داخل سجن برج العرب الاحتياطى فى الفترة ما بين الرابع من مارس عام 2007 ، وحتى السادس من نوفمبر عام 2010 تنفيذا لحكم قضائى بسجنى لمدة أربع سنوات قضيته كاملا بين قسم شرطة محرم بك وسجنى الحضرة وبرج العرب .
تتكون منطقة سجون برج العرب من ثلاثة أقسام :
الأول : كتيبة الأمن المركزى المكلفة بحماية وتأمين السجن وتقع على يمين الصورة الاخيرة وتضم مساحة شاسعة من الاراضى التى تحوى بعض المبانى منها عنابر مبيت المجندين والمسجد ، ولا أعرف باقى التفاصيل لكونى لم يسبق لى التواجد داخلها .
الثانى : سجن برج العرب الاحتياطى الذى سأتناوله شرحا بالتفصيل مع الصور الخاصة به .
الثالث : ليمان برج العرب وهو السجن المخصص لمن وقعت عليهم أحكام بالسجن المشدد وسأتحدث عنه لاحقا .


يحيط بسجن برج العرب سورين مرتفعين تعلوهما عدد من ابراج المراقبة ، يحيط السور الأول بمنطقة سجون برج العرب ويطوقها من الخارج ، بينما يحيط الثانى بسجن برج العرب الإحتياطى وليمان برج العرب ، الأمر الذى يصبح معه مجرد التفكير فى الهرب من السجن عن طريق تسلق الأسوار مهمة مستحيلة جدا ، لصعوبة تسلق الأسوار التى يقدر إرتفاعها بحوالى سبعة أمتار وأيضا لإنتشار عناصر المراقبة المسلحين داخل الأبراج والمكلفين بإطلاق الرصاص على أى سجين يحاول الهرب .

كتيبة الأمن المركزى المكلفة بحراسة وتأمين منطقة سجون برج العرب

فى أقصى يمين منطقة سجون برج العرب يقع مقر الكتيبة الأمنية المكلفة بحماية وتأمين سجن وليمان برج العرب وتضم عنابر لمبيت جنود الأمن المركزى  ، لا أعرف تفاصيل كثيرة عن محتوى هذا المكان لأنه لم يسبق لى التواجد داخله ، لكن الصور أعلاه تظهر عددا من المنشآت داخله ومنها مسجد وعدد من العنابر ومبان أخرى .

 سجن برج العرب الإحتياطى
الصورة أعلاه لمبان ومنشآت سجن برج العرب الإحتياطى ، وتشمل عدد خمس مجموعات من العنابر المخصصة للمسجونين بواقع  خمس عنابر بكل مجموعة بالإضافة إلى عدد من المبان الأخرى التى سأبينها بالتفصيل فيما يلى :

أولا : مبنى الإدارة والزيارات وحوش الإيراد
ويقع فى يسار الصورة فى مواجهة بوابة السجن مباشرة ويضم قاعة الزيارات ومكاتب رئيس المباحث وبلوكامين المباحث ومأمور السجن والموظفين الاداريين ومدير منطقة سجون برج العرب ويضم أيضا مخزن أمتعة المسجونين من ملابس مدنية وخلافه ، بالإضافة إلى مكتب كان مخصصا لضابط أمن الدولة المسؤل عن المسجونين السياسيين داخل السجن .
يقع  حوش الإيراد فى المنطقة ما بين نهاية مبنى الادارة وسور السجن ويتم إستقبال المسجونين الجدد به لتفنتيشهم وتوقيع الكشف الطبى عليهم ، وغالبا ما يتم تجريدهم من ملابسهم كاملة ما عدا الملابس الداخلية بحجة الكشف عما إذا كان لديهم ندوب ناتجة عن جروح قديمة او إصابات ظاهرة ، وأحيانا ما يتم الإعتداء على بعضهم بالضرب المبرح لإرهاب الآخرين ، وبعضهم يتم إجباره على التغوط أمام أعين المخبرين و النزلاء الآخرين للكشف عما إذا كان يحمل مخدرات داخل أمعاءه ! . 
وعندما يتم إستقبال المسجونين الجدد داخل حوش الايراد تؤخذ منهم ملابسهم المدنية ومتعلقاتهم الشخصية ليرتدوا الكواحيل المخصصة للسجن ، اللون الأبيض للمعتقلين والمحبوسين إحتياطيا ، والأزرق للمحكوم عليهم بالسجن ، والأحمر للمحكومين بالإعدام ، وبعد ذالك يتم نقل المحكومين إلى غرف إيراد المحكوم عليهم بعنبر (19) ، ويتم نقل المعتقلين الجنائيين إلى عنبر إيراد الإعتقال الجنائى بعنبر(25) ، ويتم أيضا تسكين المحبوسين إحتياطيا بغرف الحبس الإحتياطى بعنبر (24) ، وأيضا نقل السياسيين مباشرة إلى عنبر (21) لتسكينهم هناك .

ثانيا : المستشفى

وتقع على يمين الداخل الى السجن من البوابة الرئيسية ، حيث عليه أن يتجاوز حوش الإيراد ويتجه الى الجانب الأيمن لمبنى الإدارة ليجد مبنى المستشفى على يساره فى مواجهة سور السجن ، هى ليست مستشفى بالمعنى الذى يرد دائما إلى الذهن والمرتبط بكونها مكان مجهز بالأسرة والأجهزة والمعدات الطبية والأدوية والأطباء والممرضين المتواجدين دائما للتعامل مع الحالات المرضية العادية والطارئة ، المستشفى داخل سجن برج العرب مكان خالى من أى تجهيزات ، فقط هناك عيادات للتخصصات الطبية المختلفة وجدول يضم مواعيد الأطباء المكلفين بتوقيع الكشف الطبى على المرضى المسجونين ، لكن فى واقع الأمر لا يوجد إهتمام حقيقى بالحالات المرضية ، وبعض الأطباء يتغيبون عن الحضور فى مواعيدهم ، أضف إلى ذالك أن المستشفى غير مجهزة للتعامل مع الحالات الطارئة والتى يلزم نقلها إلى مستشفى خارجى بسرعه حتى يتم إنقاذها ، كما أذكر أن هناك داخل المستشفى وحدة أشعة ولكن لا يوجد فنى أشعة بشكل دائم لعمل الأشعات اللازمة للمسجونين ، وأذكر أن الدكتور حسن البرنس النائب فى مجلس الشعب المنحل كان قد تطوع خلال فترة إعتقاله بالعمل داخل المستشفى لعمل أشعات للمسجونين الذين يحتاجون إليها ، ولم يكن  يسمح بإخراج اى نزيل ونقله إلى مستشفى خارجى مهما كانت درجة سوء حالته الصحية سوى بعد إستئذان مصلحة السجون وأحيانا لا ينتظر السجين طويلا وتنتهى حياته كما حدث مع النزيل محمد عبدالمجيد (شرقية) الذى تناولت قصته فى مقال سابق ، والمثير للسخرية أن ادارة السجن تمنع الاطباء عن صرف الادوية والعقاقير الخاصة بأمراض الحساسية الجلدية والمنتشرة داخل السجن بحجة أنها تحوى مواد منومة ، ويمنع دخولها من الأصل مع ذوى المسجونين فى أوقات الزيارة .

ثالثا : الملاعب  
يوجد بالسجن ملعبين مساحتهما كبيرة ، أحدهما مخصص للعبة كرة القدم ، والثانى لكرة السلة والكرة الطائرة مع جهازين للعبة كرة السرعة وطاولة مخصصة للعبة " تنس الطاولة " ، لا يتاح لكل المسجونين الذهاب الى ملعب السجن ، وفى الغالب فإن الملاعب لا تعدو كونها مجرد ديكور مكمل لشكل السجن حتى يتسنى لوسائل الإعلام المحسوبه على الدولة تصوير السجون فى مصر على أنها مزودة بكل وسائل الراحة والترفيه عن النزلاء ، وفى الحقيقة فإنه فى عام 2008 كان مسموحا للسجناء السياسيين بالذهاب إلى الملاعب مرتين أسبوعيا ، وذالك لتواجد أعداد كبيرة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين التى كانت محظورة فى هذا الوقت داخل السجن على خلفية تضامنهم مع غزة وإنتخابات المحليات والتجديد النصفى للشورى ، كانت الإدارة تتعامل معهم بشكل أفضل وإستفاد كل السياسيين وأنا ضمنهم من هذه المعاملة التى جعلتنا نقضى أوقاتا أكثر خارج العنابر ومنحتنا الفرصة للذهاب الى الملاعب مرتين أسبوعيا ، ولكن لم تكن الملاعب متاحة لبقية النزلاء الذين يقدر عددهم بأكثر من تسعة آلاف سجين مكدسين فى العنابر على النحو الذى سأتناوله لاحقا .

رابعا : الورش 
يوجد بالسجن عدد من الورش التى يعمل بها المسجونين ، منها ورشة النجارة التى تقوم بتصنيع قطع الأساس التى تباع لصالح قطاع مصلحة السجون بالإضافة الى قيام الورش بتصنيع صناديق الانتخابات ، كما أن هناك ورشة للكهرباء تقوم بتصليح الأجهزة الكهربائية المسموح للنزلاء بإستخدامها كأجهزة التليفزيون والغلايات الكهربائية وأجهزة الراديو .

خامسا : مكتبة السجن 
مكتبة السجن أيضا لا تختلف عن الملاعب فى كونها مجرد ديكور يبرزه ويصوره إعلام الدولة أثناء الزيارات الإعلامية للسجن ، تمكنت من رؤية المكتبة مرتين فقط عام 2008 أثناء إعتقال أعداد كبيرة من جماعة الإخوان المسلمين ، لكن لم أتمكن فيما بعد من الذهاب اليها لاستعارة او قراءة الكتب الموجودة بها ، فكما ذكرت سابقا فإن إدارة السجن تتعامل معها كديكور فقط يتم ابرازه لزوار السجن الرسميين ، كما أنها تستخدم أيضا كلجنة إمتحان للطلاب الذين يقضون فترة عقوبة فى السجن .

سادسا : المخبز والمطبخ والمغسلة
ويعمل بهم عدد كبير من السجناء ، حيث يغطى المخبز تعيين المسجونين الكامل من الجراية ( الخبز) بواقع ثلاثة أرغفة يوميا لكل مسجون بالإضافة إلى إنتاج خبز إضافى محسن لبيعه للمسجونين لصالح كافيتيريا السجن ، وفى المطبخ يتم إعداد وجبتى الفطور والغداء التى تشمل الفول او الفاصوليا والأرز والعدس واللحوم وبعض الخضروات المطبوخة ، وفى الغالب فإن التعيين الذى ينتجه المطبخ يتم إعداده بشكل بالغ السوء حتى يضطر المسجونين لشراء وجبات الطعام من كافيتيريا السجن التى يذهب ربحها إلى جيب المأمور وضباط السجن ، ويتم توزيع تعيينات الغداء على المسجونين بواسطة آنية معدنية كبيرة تسمى " آذانات التعيين " ، ويتم نقلها من المطبخ الى العنابر عن طريق طفطف يتم جره بواسطة جرار ، أما المغسلة فيتم فيها غسل ملابس المسجونين حسب رغبتهم بمقابل مادى ، الجدير بالذكر أن الراتب الذى يتقاضاه أى سجين يعمل فى أى عمل داخل السجن لا يتجاوز مبلغ خمسة وعشرون جنيها شهريا فقط لا غير !!! .

سابعا : مزرعة السجن
لا توجد لدى تفاصيل كثيرة يمكننى ذكرها عن مزرعة السجن ، لكنها تمتد على مساحد كبيرة ويعمل بها عدد من المسجونين وتقوم بإنتاج بعض المحاصيل التى تباع لصالح إدارة السجن .

ثامنا : عنبر شديد الحراسة وغرفة تنفيذ الإعدام 
يقع عنبر شديد الحراسة فى نهاية السجن بجوار سور السجن مباشره وخلفه غرفة تنفيذ أحكام الإعدام ، يتكون عنبر شديد الحراسة من قسمين ، القسم الذى يقع على جهة اليمين ويسمى بـ " المخصوص " وهو مخصص لإستقبال المحكوم عليهم بالاعدام للإقامة به حتى تنفيذ الحكم عليهم ويتكون من خمسين زنزانة صغيرة ، اربعون منها متجاورة لا يفصل بينها أى شىء ، وعشر زنزانات منفصلة عن باقى الزنازين وتسمى " ملاحظة المخصوص " ويوضع فيها من ترى إدارة السجن أنه يشكل خطورة كبيرة من غير المحكوم عليهم بالإعدام، وقد قضيت فى ملاحظة المخصوص خمس وسبعون يوما كاملة ، منها خمس وستون يوما دون توقيع أى جزاء تأديبى ، لمجرد التنكيل بى من قبل إدارة السجن ، بالاضافة إلى عشرة أيام أخرى بناءا على محضر مشاجرة ملفق ، وشهدت خلال تلك الأيام العشرة حالة إعدام أحد السجناء ويدعى إسلام كان يعانى من حالة نفسية سيئة ومصاب بالخرس ويقال أنه حكم عليه بالإعدام لقيامه بقتل أم وطفليها ، وفى زنزانة رقم (10) بملاحظة المخصوص حيث كنت أقيم أخبرنى أحد الضباط أنها إحدى الزنازين التى تم وضع عزت حنفى بها قبل إعدامه ، أما القسم الذى يقع فى الناحية اليسرى فيسمى بـ" التأديب " ويتكون من خمسين زنزانة موزعين بنفس طريقة توزيع زنازين جناح " المخصوص "وهو مخصص للمسجونين الذين تم توقيع جزاءات تأديبية عليهم لمدد تتراوح بين ثلاثة أيام وشهرين يتم خلالها حرمانهم من الطعام والماء والذهاب الى دورات المياه ، حيث يتناولون يوميا نصف رغيف من الخبز وقطعة من الجبن وزجاجة مياه ، ويقضون حاجتهم داخل جرادل بلاستيكية ، ويحتوى كلا الجناحين ، التأديب والمخصوص ، على أربعة أفنية بواقع فنائين إثنين فى كل جهة ، تم تحويل أحد هذه الأفنية إلى مسجد للصلاه فى جهة المخصوص وكان يخطب الجمعة فيه أحد المحكوم عليهم بالإعدام والذى تم تنفيذ الحكم فيه فى وقت لاحق . 
فى الخلفية نجد غرفة تنفيذ أحكام الإعدام التى يتم بها إعدام من تم إستنفاذ وسائل الطعن على حكمه وتم التصديق عليه .

تاسعا : مبانى المطافىء واستراحة الضباط والكافيتيريا 
وتقع فى منتصف السجن مباشرة ، على يمين الصورة يقع مبنى المطافىء الذى يضم المعدات المستخدمة لإطفاء الحرائق فى حال إندلاعها من خراطيم للمياه وطفايات للحريق ويعمل به عدد من أفراد الشرطة المدربين على التعامل مع الحرائق ، وفى نفس المبنى يوجد مكتب مسير السجن ، وهو مسجون يعمل تحت يده عدد من المسجونين فى عنابر السجن المختلفة مهمتهم حصر أعداد المسجونين فى العنابر يوميا متضمنة الإيراد والإفراج وعمل التمام النهائى للسجن الذى يتم ارساله الى مصلحة السجون نهاية كل يوم والذى يتضمن العدد النهائى للمسجونين ، كما يضم المبنى أيضا مكتب الأمانات المالية حيث يقوم المسجونون بإستقبال الحوالات المالية التى ترسل اليهم عن طريق هذا المكتب وصرف بونات التعامل مع الكافيتيريا من خلاله ، والى جواره كانتين السجن الذى يتمكن المسجونون من شراء بعض المواد الغذائية والسجائر وغيرها  ، فى اقصى يسار الصورة تقع كافيتيريا السجن التى تقوم بإعداد وجبات طعام ساخنة للمسجونين مقابل مبالغ مالية تسدد عن طريق بونات التعامل مع الكافيتيريا التى يحصل عليها المسجونين من مكتب الأمانات مقابل المبالغ المودعة فى حسابات أماناتهم ، الجدير بالذكر أن إدارة السجن تبذل كل ما بوسعها لجعل المسجونين يضطرون إلى التعامل مع الكافيتيريا التى يذهب ربحها إلى جيوب ضباط السجن وعلى رأسهم المأمور ، فالطعام الذى يتم إعداده فى مطبخ السجن سىء جدا لدرجة تجعله أقرب لأن يكون غير صالح للإستهلاك الآدمى ، وفى نفس الوقت فإن إدارة السجن تمنع دخول أى معدات قد تستخدم فى إعداد الطعام من أوانى معدنية وأسلاك حرارية او سخانات كهربائية ، بل انها كانت تمنع نوع معين من غلايات المياه ذات القعر المعدنى المسطح خشية أن يستخدمها المسجونون فى صنع الطعام وسمحت فقط بتلك الغلايات التى تحتوى على أسلاك حرارية ملتوية .
فى منتصف المسافة بين مبنى الكافيتيريا والمطافىء تقع إستراحة الضباط التى تضم عددا من الغرف ودورات المياه والتى يبيت فيها ضباط السجن ليلا .


ثامنا : عنابر السجن 
يضم سجن برج العرب خمس وعشرون عنبرا موزعة على خمس مجموعات تضم كل واحدة منها خمس عنابر ، ويضم العنبر الواحد ثمانية عشرة غرفة تتوزع على جناحين يضم كل جناح منهما (9) غرف ، ويحتوى كل عنبر منهم أيضا على أربعة أفنية بكل جناح فناءان واحد أمامى والآخر خلفى تظهر فى الصور أعلاه مغطاة بأسلاك معدنية ، وفى منتصف العنبر يوجد ممر طويل مغطى بسقف من الأسلاك المعدنية وتطل عليه نوافذ غرف العنبر وتؤدى إليه مواسير المياه والصرف الصحى ويحتوى أيضا على الفتحات التى يتم من خلالها توصيل أسلاك الكهرباء إلى غرف العنبر ، جميع العنابر ذات تصميم واحد ولا يختلف أى منها عن الآخر إلا إذا أخذنا بعين الإعتبار الألوان التى تطلى بها العنابر والكتابات التى تنقش بها الجدران وفيما عدا ذالك تبدو عنابر السجن متشابهة جدا ، ورغم أن غرف السجن لا تتسع لأكثر من خمسة عشر مسجونا على أقصى تقدير ، إلا أن إدارة السجن تقبل أضعاف ما تتحمله عنابرها من سجناء مما يؤدى إلى زيادة الضغط على العنابر وإزدحامها بالسجناء ليصل عددهم فى الغرفة الواحدة فى بعض العنابر إلى أربعين فردا يتكدسون فيها بشكل لا يمت إلى إحترام آدميتهم بصلة ، وبعض المسجونين يلجأ لحلول للتعامل مع مشاكل إزدحام الغرفة فيلجأون لصنع أسرة معلقة فى الهواء عن طريق ربط بطانية من جوانبها الأربعة بحبال متينة مصنوعة داخل السجن وتعليقها فى شبابيك الغرفة المعدنية ، ويعرف هذا الفراش المعلق فى أوساط المسجونين تحت إسم " الطياره " .
ويضم سجن برج العرب مجموعات العنابر التالية :


مجموعة عنابر أ
وتضم خمس عنابر تحمل أرقام (1 ،2 ،3 ،4 ، 5 ) ، وهى فى مجملها مخصصة للمسجونين الذين يقضون عقوبات بالسجن فى قضايا مختلفة ، غير أن عنبر (1) المعروف بإسم عنبر المستشفى مخصص للمسجونين المحكوم عليهم الذين يعانون من بعض الأمراض المزمنة التى ستلتزم خضوعهم للعلاج الطبى  ، وفيما يتعلق بعنبر (3) و (4) فهما أيضا يستخدمان لتسكين المحكوم عليهم بالسجن ، غير أنه كان يتم إجلاء المسجونون منهما لبعض الأيام وإعادة طلائهما وتزيينهما بالأسرة الجديدة ووضع مسجونين يعملون مع إدارة السجن في غرفهما بواقع سبعة مسجونين فقط فى كل غرفة إستعدادا لتصوير بعض البرامج التليفزيونية كحديث المدينة الذى يقدمه مفيد فوزى والذى صور إحدى حلقاته فى سجن برج العرب فى سبتمبر عام 2007 على هذا النحو ، وأيضا تم تكرار الأمر عندما قدمت إحدى اللجان التابعة للمجلس القومى لحقوق الإنسان لزيارة السجن فى يونيو عام 2010 .


مجموعة عنابر ب
وتقع إلى جوار مجموعة عنابر أ ، وتضم أيضا خمس عنابر تحمل أرقام (6 ،7 ،8 ،9 ،10 ) ، وهى فى مجملها مخصصة للمسجونين الذين يقضون عقوبات بالسجن فى قضايا جنائية مختلفة .


مجموعة عنابر ج 
وتتوسط هذه المجموعة مجموعات العنابر الأخر لتقع فى المساحة ما بين مجموعتى عنابر ب و د ، وتحتوى أيضا على خمس عنابر تحمل أرقام (11 ،12 ،13 ، 14 ، 15 ) ، وهى أيضا مخصصة للمسجونين الذين يقضون عقوبات بالسجن فى قضايا جنائية مختلفة .

مجموعة عنابر د 

وتقع فى نهاية السجن خلف مجموعة عنابر ب وعلى الجانب الأيمن لمجموعة عنابر هـ ، وتحتوى على خمس عنابر تحمل أرقام (16 ،17 ،18 ، 19، 20 ) ، وهى فى مجملها مخصصة لتسكين المسجونين المحكومين فى قضايا جنائية مختلفة ، غير أن عنبر (19) مخصص جانب منه لإستقبال إيراد المسجونين المحكوم عليهم قبل تسكينهم فى العنابر الأخرى ، أما عنبر (20) فيضم المسجونين الذين يعملون داخل السجن فى وظائف مختلفة ، ويعرفون بإسم " المسجونين المصنعين " .

مجموعة عنابر هـ 
وهذه المجموعة تختلف من حيث تركيبة المسجونين المتواجدين بها عن باقى مجموعات العنابر الأخرى ، هى أيضا تحتوى على خمس عنابر تحمل أرقام (21 ،22 ،23 ،24 ،25) ، ولكنها تضم معتقلين ومحبوسين إحتياطيا ومحكومين سياسيين وجنائيين ، فعنبر (21) كان مخصصا للسياسيين على إختلاف إنتماءاتهم والتهم الموجهة إليهم وكان يضم معتقلين سياسيين من جماعة الإخوان المسلمين وجندالله وبعض أهالى سيناء ، ومحبوسين إحتياطيا على ذمة قضايا سياسية مختلفة ، بالإضافة إلى بعض المحكومين سياسيا كمجدى أنور توفيق الذى كان متهما فى قضية تخابر مع إسرائيل، وقد قضيت أكثر من شهر فى هذا العنبر فى الفترة ما بين الثامن من مايو عام 2007 وحتى الحادى عشر من يونيو من نفس العام ، ونقلنى ضابط أمن الدولة بعد أن طلب منه بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ذلك !، أما عنبر(22) فتركيبة قاطنيه من النزلاء تختلف من وقت لآخر ، وقد قضيت فيه ما يقرب من ثلاث سنوات هى الفترة ما بين نهاية شهر أغسطس عام 2007 وحتى يونيو عام 2010 ، وفى بعض الأحيان كان يضم مسجونين محبوسين إحتياطيا على ذمة قضايا جنائية ، وفى نهاية عام 2007 تم تسكينه بمئات المسجونين المنتمين إلى دول افريقية مختلفة على رأسها إريتريا والسودان كانوا يقضون أحكاما عسكرية بالحبس لمدة عام لقيامهم بالتسلل عن طريق حدود مصر الجنوبية مع السودان أو محاولتهم التسلل عبر حدودها الشرقية مع إسرائيل ، وبقوا فيه لمدة عام كامل قبل أن يتم الافراج عن بعضهم ونقل المتبقين إلى عنابر أخرى ، حدث هذا قبل أن يتم شغل العنبر بعدد كبير من المعتقلين الجنائيين بعد تجديد العمل بقانون الطوارىء نهاية مايو عام 2008 ، أما عنبر(23) فطوال فترة تواجدى بالسجن كان يشغله دائما معتقلين جنائيين معظمهم من كبار تجار المخدرات فى مصر ، وكان حراس العنابر يتسابقون دائما فى الخدمة فى هذا العنبر على وجه التحديد حتى يحصلوا على مبالغ مالية طائلة من المسجونين الموجودين به والذين كانوا يدفعون مرتبات شهرية للضباط والمخبرين ، أما عنبر (24) فقسمه الأيمن كان مخصص دائما للمعتقلين الجنائيين بتهم مختلفة ، وقد التقيت فيه بكثير من المعتقلين كان أبرزهم بالنسبة لى شاب تم إعتقاله بعد أن قضى فترة حكم قضائى احد عشر شهرا فى قضية اقتحام فيللا الفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسى الحالى وسرقة مبلغ خمس ملايين جنيه من الفيللا ، وقد أخبرنى هذا الشاب أنه تعرض للتعذيب الشديد أمام عين الفريق شفيق نفسه ، الذى إنفرد به أثناء عرضه على نيابة وسأله عما إذا كان قد تعرض لإبنتيه اللتين كانتا نائمتين فى الفيللا أثناء إقتحامه لها !! ، الجانب الآخر من العنبر كان يتم تسكين غرفه فى بعض الأحيان انفراديا لبعض المسجونين الخطرين وأيضا بعض المرضى النفسيين ، قبل أن ينقل اليه المسجونين المحبوسين إحتياطيا من عنبر (22) ليشغلوا بعض غرفه ، أما عنبر (25) فجزء منه مخصص لغرف إقامة المسجونين المصنعين للعمل فى مجموعة عنابر هـ ، وبعض غرفه كانت مخصصة لإيراد المعتقلين الجنائيين ، بالإضافة إلى غرفتين كانتا مخصصتين فى السابق لعزل المسجونين المثليين جنسيا سواء المحبوسين منهم بتهمة الفجور أو من تم الشك فى مثليتهم أو من إكتشفت مثليتهم داخل السجن ، وقد قضيت فى هذا العنبر حوالى خمسة أشهر فى الفترة ما بين شهر يونيو عام 2010 وحتى السادس من نوفمبر من نفس العام حينما تم ترحيلى من السجن لإنتهاء فترة الحكم الموقع على .

ليمان برج العرب
 فى أقصى يسار منطقة سجون برج العرب يقع ليمان برج العرب ( أو سجن برج العرب المشدد ) وهو مخصص للمحكوم عليهم بعقوبة السجن المشدد التى كانت فى السابق تعرف تحت إسم الأشغال الشاقة ، وحيث أننى لم يسبق لى التواجد فى الليمان فلا أعرف الكثير من التفاصيل عن منشآته ومبانيه ، والمعلومات المتوفرة لدى والتى أخبرنى بها بعض من قضوا جزءا من عقوبة سجنهم فى الليمان هو أنه يتكون من خمس عنابر فقط ومبنى إدارى ومستشفى وعنبر للتأديب وبالتأكيد هناك مطبخ ومخبز وكافيتيريا لكن لا أستطيع أن أحدد مكان كل منها فى الصورة لأننى لم يسبق لى التواجد هناك .

ملحوظة هامة : بالتأكيد هناك أمور كثيرة قد تغيرت - سلبا أو إيجابا - بعد أحداث 25 يناير، أنا هنا أتحدث فقط عن الوضع داخل السجن خلال فترة  تواجدى فيه والتى إنتهت فى السادس من نوفمبر عام 2010