الجمعة، مارس 09، 2012

شخصيات إلتقيتها فى السجن:عادل اليمنى

الصورة المرفقة هى لشخص لم أره من قبل !!
قد يبدو الأمر غريبا وطريفا فى آن عندما أشرع فى الكتابة عن شخص لم يسبق لى رؤية وتمييز ملامح وجهه ، لكنه سيصبح موجعا ومؤلما عندما أبحر فى عمق التفاصيل .
بالفعل لم أرى وجه هذا الرجل قبل هذا اليوم ، ولم أميز من قبل ملامح وجهه ، رغم أننى قضيت بجواره خمسا وستين يوما كاملين .
الصور تخص " عادل جابر عبدالله القعيطى " ، أقدم سجين يمنى فى السجون المصرية ، والذى لا أعرف على وجه التحديد إن كان قد تم الإفراج عنه أم لا ، فقد كان محكوما عليه بالسجن المؤبد  بعد ضبطه  عام 1991 وبحوزته كمية من مخدر الهيروين قدرها مائتين وخمسين جراما ، أخبرنى أنها كانت بحوزته على سبيل التعاطى !!.
التقيت عادل للمرة الأولى مساء الثلاثاء الرابع من شهر مارس عام 2007 ، كنت قد رحلت فى هذا اليوم من سجن الحضرة إلى سجن برج العرب ، وبعد تفتيش أمتعتى عرضنى أحد ضباط المباحث عن المقدم ( وقتها ) ممدوح إبراهيم رئيس مباحث السجن ، الذى أمره بوضعى مع (مجدى)، وقتها لم أكن أعرف من هو (مجدى) الذى يقصده ، فيما بعد عرفت أنه يقصد أن أوضع فى نفس المكان الذى يقيم فيه السجين "مجدى أنور توفيق" المحكوم عليه بتهمتى التخابر مع إسرائيل وتزوير مستندات رسميه ، والذى أفرج عنه قبل عام .
إصطحبنى أحد أفراد المباحث الى مبنى صغير مكون من طابق واحد ، وهناك أعيد تفتيشى مرة أخرى من قبل فرد مباحث آخر ، ثم إصطحبنى الفرد الآخر الى مكان وصلت اليه عن طريق سلم يؤدى إلى طابق آخر تحت سطح الأرض ، وهناك فوجئت بحوالى عشر سجناء يرتدون ملابس حمراء اللون ، ووجدت أحد أفراد المباحث يسألنى بحدة : " إنت إعدام ؟؟!!! " إستغربت السؤال واستدركته طالبا توضيح مقصده ، فنهرنى بعنف مستخدما الفاظا نابية وأعاد سؤاله على ، ففهمت ونفيت الأمر أوضحت له أننى محكوم على بالسجن ، فرفع صوته مرة أخرى بالسباب النابى طالبا منى التراجع الى الخلف !!.
بعد لحظات قام فرد المباحث بإحضار مفتاح ، وقام بفتح قفل باب حديدى مؤدى لطرقة ضيقة جدا تضم عشر زنازين على جانبها الأيمن ، والطرقة مغلقة من الجانبين ببوابات حديدية .
خلال سيرى فى الطرقة كنت أختلس النظر الى الزنازين ، ووجدت بطاقات ملصقة على بعض أبواب الزنازين تحوى معلومات تخص السجين المودع داخل الزنزانة ، وفى لمح البصر التقطت بعض ما كتب على البطاقة الملصقة على باب زنزانة رقم ( 1 ) :
الإسم : عادل جابر عبدالله
الجنسية : يمنى 
التهمة : الإتجار فى المواد المخدرة 
الحكم : السجن المؤبد 
مبدأ الحبس : 1991
نهاية الحبس : 2011
إصطحبنى فرد المباحث إلى الزنزانة الأخيرة التى تحمل الرقم ( 10 ) ، أدخلت أمتعتى ، وقبل أن يغلق الباب أحضر جردلا بلاستيكيا ووضعه داخل الزنزانة ، وأشار إليه موضحا بلغته السوقيه أنه مخصص للتبول والتبرز !!! .
بعد إغلاق الباب على بدأت ترتيب فراشى الذى كان يتكون وقتها من بطانيتين ميرى وبطانية ملكى متهالكة ، محاولا إكتشاف أى ملامح للزنزانة فى هذا الظلام الدامس دون جدوى ، فقد كانت الزنازين مجردة من مصابيح الإنارة ، فقط لديك أربع جدران ، ونافذة تطل على طرقة خلفية ليتمكن الحراس من متابعتك طوال الوقت وباب حديدى ضخم ، فى هذه الأثناء تناهى إلى سمعى صوت أحد السجناء  : " يا زميلى ! " ، ترددت قبل أن أجيبه ، فبادر بتعريف نفسه قائلا أنه يدعى عادل وأنه من اليمن وقضى فى السجن سبعة عشر عاما لحيازته مخدر الهيروين مؤكدا لى أنه لم يكن يتاجر به ، عندها عرفته بنفسى ايضا مكتفيا بالقول أننى مسجون بسبب قيامى بكتابة مقالات على الإنترنت أثارت حفيظة بعض المتنفذين مما أدى للحكم على بالسجن أربع سنوات .
بدأنا نتجاذب أطراف الحديث محاولين تجاوز الزمن الذى يطول بصورة مزعجة بين هذه الجدران الصماء المظلمة ، حدثنى عن السبب الذى جعلهم يودعوه فى هذا المكان ، فقد كان نزيلا بعنبر الأجانب بسجن القناطر بالقليوبية ، وحسب ما أخبرنى فإن الوضع هناك جيد ومريح للنزلاء من كل النواحى إن قورن بالسجون الأخرى كبرج العرب ، وقد تم تغريبه وترحيله برفقة أربعة وعشرون سجينا آخر من جنسيات مختلفة لحيازتهم هواتف نقالة وضبطها بحوزتهم بمعرفة ضباط مباحث مصلحة السجون الذين قاموا بمداهمة زنازينهم فى ساعة متأخرة من الليل وصادروا الهواتف وقاموا بتغريبهم بعد أيام ، وكان من نصيبه أن رحل إلى برج العرب برفقة سجين آخر لبنانى الجنسية محكوم عليه أيضا بالمؤبد وتم الإفراج عنه خلال وجوده فى برج العرب حيث أتم عشرين عاما داخل السجون المصرية .
كانت " ملاحظة المخصوص " وهو الإسم الذى يطلق على المكان الذى توجد فيه زنازيننا ، تستقبل كل يوم بعض من المسجونين الخطرين الذين توقع عليهم عقوبات تأديبية داخل السجن ، حيث كانوا يقضون فترات قيد الحبس الإنفرادى تبدأ من ثلاثة أيام وقد تصل إلى شهرين على حسب ما يراه قائد العنبر مجردين من كل مظاهر الحياة الآدمية وأحيانا من ملابسهم وأغطيتهم فى عز الشتاء ، وكان يتم حرمانهم من الطعام بشكل بالغ القسوة ، حيث لم يكن يقدم لهم سوى نصف رغيف من الخبز البلدى وقطعة جبن صغيرة وزجاجة مياه صغيرة أيضا ، وكانت للمصادفة البحته دور كبير فى التعرف على أحد هؤلاء الذى كان يسكن بالقرب منى فى محرم بك ، وكان إسمه يتردد كثيرا لصلته ببعض أعمال البلطجة والإجرام ، كما أنه كان زميلا لشقيقى فى مدرستنا الإبتدائية الأزهرية ، وكان معروفا بإسم " سامح كفته " ( إسمه الحقيقى سامح محمد أحمد موسى ) ، فبينما كنت أتحدث مع عادل بعد دخولى الى الزنزانة بدقائق وكنت أخبره أننى من الإسكندرية وأعيش بمنطقة محرم بك ، وجدت من ينادى على من الزنزانة المجاورة ويسألنى عن المكان الذى أسكن به تحديدا ، وعندما أخبرته إتضح لى أننا جيران نسكن فى نفس الشارع ، وكانت المفاجأة أنه هو نفسه " سامح كفته " الذى كنت أسمع عنه الكثير ولم ألتق به من قبل ، وكان سبب القبض عليه حيازته لمواد مخدرة بقصد الإتجار ، وفيما بعد تم الحكم عليه بالسجن المشدد عشر سنوات !.
خمس وستون يوما قضيتها مع عادل فى ملاحظة المخصوص, ومع أشخاص آخرين لا أزال أذكر منهم " هانى خليفة " ، " أحمد حلمى " ، " عمرو عادل " .. وآخرين كثر كانوا يترددون بين الحين والآخر على " الملاحظة " لقضاء عقوبات تأديبية .
مرت علينا خلال هذه الأيام الكثير من المواقف بعضها مثير للسخرية وأكثر يبعث على الألم ، ولا أزال أذكر أصوات المسجونين الذين كانوا يتعرضون للتعذيب البشع على يد قائد العنبر النقيب " حسام الدين محمد على هشلة " ، هذا الضابط الذى لم يكن يختلف كثيرا عن أى بلطجى أو صاحب صحيفة سوابق جنائية ، كان دائما يتحدث مثل المجرمين ويحاول تقليدهم ، أذكر أنه بعد يوم من دخولى الى السجن جاء إلى زنزانتى وقت توزيع تعيين الغذاء ، ونظر الى قائلا " الخلقة دى مش غريبة عليا " .. فنظرت اليه شذرا وأجبته " وأنا مش بعرف الأشكال اللى زيك " ( كنت دائما ما أكن الكثير من الإحتقار لضباط الشرطة وأتحاشى التعامل معهم إلا فى أضيق الحدود حتى داخل السجن ) .. فإستشاط غضبا .. ودخل الى زنزانتى فوجد فرشاة الأسنان فأخذها قائلا أنه غير مسموح بتواجدها معى فربما أستخدمها فى ايذاء نفسى ، ثم قال لى " على فكرة الزنزانة دى كانت بتاعة عزت حنفى قبل ما يتعدم " .. ثم إستطرد قائلا " بيطلع فيها عفاريت بالليل " .. إبتسمت بسخرية ونظرت اليه شذرا قبل أن أوليه ظهرى ، فطلب من الحارس أن يغلق الباب حفظا لماء وجهه !.
فى أحد الأيام قرر عادل الإضراب عن الطعام إحتجاجا على الوضع السىء داخل السجن وللمطالبة بإعادته مرة أخرى إلى سجن القناطر أو وضعه فى العنابر مع السجناء ، ورفضت الإدارة الإستجابه لطلبه ، لكنهم كانوا يتفاوضون معه لحثه على فك الإضراب الذى إستمر أسبوعا قبل أن يقرر عادل إنهائه بعد وعد من الإدارة بنقله فى أقرب وقت .
وفى الثامن من شهر مايو عام 2007 ، فوجئنا بقوة من مباحث السجن تخلينا من عنبر الملاحظة وتنقلنا الى عنابر السجن الأخرى ، وعرفنا فيما بعد أن بعض أعضاء النيابة العامة قد حضروا الى السجن للتفتيش ، ومن ثم قامت الإدارة بنقلنا حتى لا يكتشف وضعنا الغير قانونى فى المكان الغير مخصص لنا .
لم التق بعادل فيما بعد ، فقد تم نقله الى غرفة مخصصة للنزلاء الأجانب ، وتم نقلى إلى عنبر 21 المخصص للسجناء السياسيين الذى قضيت فيه شهرا واحد قبل أن تنقلنى منه إدارة السجن بناءا على طلب قيادات من جماعة الإخوان المسلمين كان قد تم حبسهم على خلفية إنتخابات الشورى ، ولم تكن إدارة السجن تجرؤ على رفض طلباتهم مهما بلغت درجة سخافتها .