الجمعة، أبريل 13، 2012

موقفى من المرشحين فى إنتخابات الرئاسة القادمة

       سأقسم المرشحين إلى ثلاث فئات :-
    الأولى - فئة السفاحين - وتشمل كلا من " خيرت الشاطر " ، " محمد سليم العوا " ، " حازم صلاح أبو إسماعيل "، " محمد مرسى "و" عبد المنعم أبو الفتوح " .. وهؤلاء لن أصوت لأى مرشح منهم مهما حدث .
    الثانية - فئة بقايا النظام السابق والعسكر - وتشمل كلا من " عمر سليمان " ، أحمد شفيق " و " عمرو موسى " وهؤلاء لن أصوت لأى منهم فى الجولة الأولى من الإنتخابات مهما حدث ، لكن ربما أعطى صوتى لأحدهم مضطرا فى الجولة الثانية إن أسفرت الجولة الأولى عن الإعادة بينه وبين أحد " السفاحين " .ه
    الثالثة - المرشحين الثوريين ومؤيدى مدنية الدولة - وتشمل كلا من " حمدين صباحى " ، " أبو العز الحريرى " ، " هشام البسطويسى "، " خالد على " و" أيمن نور " وسأصوت لأحد هؤلاء فى الجولة الأولى ، وسأصوت لهم أيضا فى الجولة الثانية إن حالف أحدهم الحظ ونجح فى الوصول الى الإعادة .
    لست داعما للعسكر ولا لفلول النظام ، لكن إذا كان الخيار محصورا بين السفاحين الإسلاميين أو العسكر والفلول فلن أتردد فى إنقاذ بلدى من التردى إلى الهاوية حتى وإن كان الثمن هو إعادة النظام السابق ، ولا يلومنى أحد على إختيارى لما أرى أنه أهون وأخف الضررين ، فلن أسامح نفسى إن ساهم صوتى فى إيصال أحد هؤلاء السفاحين إلى مقعد الرئاسة لتتحول مصر إلى إيران أو أفغانستان أخرى .

الأربعاء، أبريل 11، 2012

حتى لا نبكى على وطن أضاعته سذاجتنا وغفلتنا

 أتابع بشىء من الحذر والترقب ما يجرى على الساحة المصرية هذه الأيام قبل الإنتخابات الرئاسية التى سيبدأ التصويت فيها بعد شهرمن الآن ، سيناريوهات كثيرة تخلق فى ذهنى عن المستقبل المرتقب لمصر فى حال وصول أى من المرشحين للمنصب إلى سدة الرئاسة ، وفى رأيي المتواضع أن هناك إحتمال واحد فقط من إثنين يحدد نتيجة هذه الأنتخابات المصيرية ، الأول هو وصول أحد المحسوبين على النظام السابق من المرشحين الذين قدموا أوراقهم إلى اللجنة العليا للإنتخابات ، وأبرزهم بالطبع هو اللواء عمر سليمان المدير السابق لجهاز المخابرات المصرية والنائب السابق لرئيس الجمهورية ، والإحتمال الثانى هو أن يفوز أحد المرشحين الإسلاميين الذين قدموا أوراقهم بالمنصب وهم فى نظرى شخص واحد لا يوجد فارق جوهرى بين أى منهم على الإطلاق .
أمامنا خياران كلاهما مر ، وعلينا أن نلتزم الحذر ونحن نشارك فى تحديد مصير هذه البلاد ، لا ينبغى أن نسمح لعواطفنا بأن تقودنا فى هذا التوقيت بالذات ، فمن قلة العقل أن نسلم بلادنا على طبق من فضة لبعض المخربين الذين لا يريدون لها خيرا حتى وإن كانت حجتنا فى ذلك منع فلول النظام البائد من الوصول مجددا إلى السلطة .    
علينا أن ندرك جيدا ونحن ندلى بأصواتنا فى هذه الإنتخابات حقيقة هامة مفادها أنه إن تمكن اللواء عمر سليمان من الفوز بالمنصب والوصول إلى سدة الرئاسة فلربما يقوم بإعادة إنتاج نظام مبارك بكل ما فيه من قمع وقهر وكبت للحريات وإعادة العمل بقانون الطوارىء ووضع معارضيه فى غياهب السجون ( لست على يقين من ذلك .. وإنما أسوق حجج المتخوفين من ترشحه للرئاسة ) ... من المحتمل أن يمارس نظامه كل هذه الأفعال تحت مسمى حفظ الأمن والنظام ومحاربة الإرهاب .. الخ ... لكن أقصى ما قد يقوم به هو وضع معارضيه فى السجون أو تعذيبهم فى المقرات الأمنية لإنتزاع الإعترافات .. وسيكون من السهولة بمكان الخروج عليه بإعادة إنتاج الثورة بعد أن نتعلم من أخطاء الماضى الفادحة التى أجهضت ثورتنا !.
فى المقابل علينا أن نعلم جيدا أنه إن حالف الحظ " خيرت الشاطر " أو " محمد سليم العوا " أو " حازم صلاح أبو إسماعيل " أو " محمد مرسى " أو عبد المنعم أبو الفتوح "  ، وتمكن أحدهم من الوصول إلى "عرش مصر"  فسنضطر وقتها إلى الترحم على كل الأنظمة الفاشية الإستبدادية التى حكمتنا فى الماضى ، بل وربما سنترحم أيضا على الأنظمة الإستبدادية التى حكمت البلدان المجاورة ، فما سنراه تحت حكم أى من هؤلاء هو صنف جديد من الإستبداد لا يمكن أن يقارن بغيره ، المعارضين لن يصبح مكانهم السجن كما فى كان يحدث فى عهد مبارك ، بل سيقتلوا ويصلبوا وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف تطبيقا لحد الحرابة ، والنساء سيفرض عليهن الحجاب بالإكراه وسيحرمون من ممارسة كافة حقوقهن التى منحت لهن - فى عهد النظم القمعية الإستبدادية البائدة - وسيترحمن هن أيضا على تلك العصور ، أما الأقباط فسيجبرون على دفع الجزية عن يد وهم صاغرون أو يخيروا بينها وبين إعتناق الإسلام أو القتل وسيعاملون كمواطنين من درجة متدنية ولن يكون لهم أى حق فى المشاركة السياسية وسيجردون من كافة حقوقهم كمواطنين ، أما عن الأقليات الدينية الأخرى كالبهائيين والقاديانيين وشهود يهوه والبوذيين .. وأيضا الملحدين فعليهم أن ينتظروا أسوأ مصير على يد هؤلاء السفاحين فى حال إستحواذهم على منصب رئيس الدولة ، فعقابهم وقتها سيكون هو القتل بحد السيف بإعتبارهم مرتدين ،  أما عن وعد أبو الفتوح وغيره من المرشحين الإسلاميين بإحترام حرية العقيدة فهى ليست سوى دعاية إنتخابية لجذب السذج من الاقباط وبعض مدعى العلمانية والليبراليين والذين سقط بعضهم بالفعل فى فخ تأييده والدعايه له والترويج لبرنامجه ، وأعتقد أنهم سيكونون أول ضحاياه إن وصل إلى سدة الحكم .
أنا لا أروج هنا لعمر سليمان ، ولن أفعل ذالك ، لكن على هؤلاء الذين ينساقون كالنعاج ويهاجمون ترشيح عمر سليمان لمنصب الرئيس أن يدركوا أن ما يفعلونه لا يصب سوى فى صالح السفاحين الإسلاميين الذين هم فى حقيقة الأمر يشكلون البديل الوحيد لعمر سليمان ، عليهم أن يدركوا جيدا أنهم بمقدورهم حشد قوى الشعب للثورة على عمر سليمان إن وصل الى السلطة ومارس القهر والاستبداد ، لكنهم لن يحصلوا على هذا الدعم الشعبى الذى سيناله المستبدون الجدد الذين سينصبون أنفسهم حكاما بأمر الله ، بل سيشارك الشعب المغيب فى قمعهم مع هؤلاء المتحدثين بإسم الإله ، فالمعارضين لحكمهم سيصبحون معارضين لحكم الله وسيصبح قتلهم مشروعا بإعتبارهم من الخوارج .
عندما تتحول مصر إلى أفغانستان أو إيران جديدة سنعض جميعا أصابع الندم ، وسنبكى بحرقه على هذا الوطن الذى سلمناه بملء إرادتنا لثلة من السفاحين ، عندها سنلعن الثورة ، ونلعن معها غفلتنا وسذاجتنا التى أوردتنا موارد التهلكه .

الجمعة، أبريل 06، 2012

شخصيات إلتقيتها فى السجن:محمد عبد المجيد (شرقية)

رأيته للمرة الأولى مطلع شهر يونيو عام (2007) ، لم يكن قد مضى شهر على نقلى من زنزانتى الإنفرادية بعنبر شديد الحراسة الى عنبر (21) المخصص للمصنفين كسياسيين ، حتى إمتلى العنبر عن آخره بعناصر من جماعة الإخوان المسلمين تم إلقاء القبض عليهم من محافظات عديدة على خلفية إنتخابات مجلس الشورى ، فقد كان معتادا لدى النظام السابق قيامه بإعتقال العشرات منهم قبل وأثناء فترة الدعاية الإنتخابية حتى يتمكن من حسم الإنتخابات لصالحه قبل أن يفرج عنهم فى وقت لاحق ، فى هذا التوقيت جاء الى العنبر سجين جنائى كى يمارس أعمال النظافة وتوزيع الغذاء وهو العمل الذى يطلق عليه فى عرف السجون " النباطشية " ويطلق على من يقوم به لقب " النباطشى " (هى مشتقة أساسا من الكلمة التركية نوباتجى ، اى من يعمل لساعات محددة فى اليوم يطلق عليها نوباتجية) ، لم يكن لديه ما يميزه كثيرا ، فهو سجين جنائى فى حوالى السابعة والثلاثين من عمره ، محكوم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة حيازة مواد مخدرة بقصد الإتجار فيها ، صفات يشترك فيها معظم هؤلاء الذين يقضون عقوبات بالسجن داخل عنابر المخدرات .

لم أكن أهوى الإقتراب كثيرا من هؤلاء المسجونين فى قضايا جنائية ، فليس هناك ما قد يجمع بينى وبينهم ، كنت مسجونا فقط لأننى مارست حقا من حقوقى المشروعة ، فى المقابل معظمهم سجنوا لارتكابهم ما تعارف عليه الغالبية بأنه جرائم ، هذا بالطبع إن تغاضينا عن إحتمالات التلفيق والكيدية فى توجية الإتهامات والفصل بالإدانة ، أضف الى ذلك أن معظم هؤلاء الذين يعملون بالعنابر يقومون بجمع المعلومات عن ما يحدث داخلها لصالح ضباط المباحث ، وهذا هو ثمن إستمرارهم فى أعمالهم التى تساعدهم أحيانا فى الإنفاق على أنفسهم داخل السجن ، وفى أحيان أخرى تمكنهم من إرسال القليل من المال لأسرهم التى يعولونها فى الخارج ، لا أعنى هنا أنهم يتقاضون رواتب مجزية من إدارة السجن يمكنهم من تحقيق ذالك ، فمن المثير للألم والسخرية فى آن واحد أن الراتب الذى يتقاضاه هؤلاء الذين يعملون فى خدمات السجون لا يتجاوز رقم (25) جنيها مصريا فى الشهر الواحد ، بالطبع هم لا يعتمدون على هذه الملاليم القليلة التى تمنحهم اياها إدارات السجون ، بل يمارسون أعمالا جانبية خلال عملهم فى العنبر تدر عليهم بعض المال ، مثل تنظيف الغرف الخاصة بالسجناء ، أو قيامهم بغسل الملابس ، أو نقل الأمتعة وما يحضره أهالى النزلاء لأبنائهم خلال الزيارات مقابل بعض السجائر أيضا مقابل بعض علب السجائر التى يقومون بإستبدالها بالمال ، كذلك يمارس بعضهم بعض الأشغال اليدوية باستخدام الخرز صغير الحجم وبيعها للنزلاء ، جدير بالذكر أن معتقلا سياسيا سلفيا كان يمارس بعض الأشغال اليدوية بإستخدام الخرز ويصنع به ملابس داخلية نسائية ، والملفت فى الأمر أن زبائنه كانوا من أفراد المباحث والجنود النظاميين ، وأحيانا بعض من قرب موعد الإفراج عنهم .

عندما التقيته للمرة الأولى فى العنبر ، كان يقف خلف أحد البوابات الحديدية المغلقة بالمزلاج ، ويبدو أن حارس العنبر كان قد نسى فتح المزلاج وإختفى بعيدا ، وكان بعض المسجونين من جماعة الإخوان المسلمين يريدون الخروج من البوابة للذهاب الى الجانب المقابل من العنبر ، ولم يكن أحد سواه يقف فى هذه الناحية ، طلبوا منه فتح المزلاج حتى يتمكنوا من المرور ، غير أنه رفض وعلى وجهه أمارات الفزع موضحا أنه لا يستطيع فتح البوابة حتى لا يتعرض للأذى ، كان هذا على ما يبدو يوم عمله الأول فى عنابر السجن ، وبالتأكيد كان اليوم الأول له فى عنبر (21) الذى كان مسموحا لنزلائه بالتحرك فى كل أنحاء العنبر وأيضا فى محيط العنابر المجاورة ، رد فعله هو إنعكاس للرعب الذى تزرعه إدارة السجن فى نفوس النزلاء الجنائيين كى تخضعهم ، خاصة من يعملون منهم داخل أسوار السجن ، فالعمل بالسجن لا تقتصر فائدته لديهم على تأمين متطلباتهم المادية داخل السجن او متطلبات أسرهم خارجه ، بل هناك من يعملون داخل السجن دون أن يكونوا فى حاجة إلى ممارسة مثل هذه الأعمال لمجرد أنهم يتمتعون بمزايا خاصة يحسدهم عليها بقية النزلاء ، فهم يقيمون فى غرف مخصصة لهم فى عنابر يطلق عليها " عنابر التصنيع " ، وأعدادهم فى هذه الغرف تعد قليلة جدا إذا ما قورنت بالتكدس العددى للمسجونين فى العنابر الأخرى ، حيث يصل عددهم فى بعض الغرف إلى اربعين شخصا يقبعون فى مساحة تقدر بحوالى 20 متر مربع ( أربعة أمتار عرض وخمسة أمتار طول ) ، حيث يلجأون لحيل عديدة لاستيعاب كل هذه الأعداد داخل الغرف ، فبعضهم يصنع فراشا معلقا باستخدام بطانية تثبت فى نوافذ الغرفة بواسطة بعض الحبال المصنعه داخل السجن عن طريق فتل أنسجة الأجولة البلاستيكية ، حيث أن الحبال يمنع دخولها الى السجن خوفا من أن يستخدمها النزلاء فى الإنتحار ، حيث تجد الغرفة الصغيرة التى لا يرتفع سقفها كثيرا عن ارضيتها تحتوى على طابقين يشغلهما النزلاء بفعل الفرش المعلقة أو ( الطيارات ) كما يطلقون عليها .

فى ذات الإطار ، فهم يسمح لهم بالخروج من بوابات العنابر للعمل فى السجن ، ولمن لم يخض تجربة السجن على الأقل فى برج العرب فإن المسجونين لا يسمح لهم بالخروج من العنابر إلا فى حالة الذهاب لمقابلة ذويهم فى الزيارات أو فى حالة ذهابهم لحضور جلسة أو الإفراج عنهم ، بإستثناء المصنفين كسياسيين وبعض من لهم معارف من ضباط السجن ، الخروج من العنبر والبقاء تحت أشعة الشمس حتى وإن كانت حارقة فى عز الصيف هو حلم صعب المنال بالنسبة لمعظم السجناء اللذين يقضون معظم الوقت داخل زنازينهم أو فى أفنية العنابر المغطاة بالأسلاك التى تحجب أشعة الشمس فى معظم الأحيان .

عندما اقتربت منه وتحدثت معه أخبرنى بمعلومات مدهشة عن حياته ، هو شاب بسيط ينتمى لمحافظة الشرقية لم ينل أى حظ من التعليم ، ولا يجيد القراءة ولا الكتابة ، ورغم صغر سنه النسبى كونه فى السابعة والثلاثين من العمر ، فقد اندهشت عندما أخبرنى عن كونه أبا وجدا فى ذات الوقت ، فلديه ابنه انجبها فى سن مبكرة ، تزوجت هى الأخرى فى سن مبكرة وأنجبت له حفيدا ، أخبرنى أنه مارس العديد من الأعمال منها العمل كمزارع وبائع وفى بعض الأحيان كان يصنع الخمور بطريقة بدائية ويبيعها ، وفى أحيان أخرى لجأ إلى تجارة المخدرات كى يتمكن من الإنفاق على أسرته ، وكان حظه تعسا عندما القى القبض عليه عن طريق مرشد للمباحث نصب له كمينا ليضبط وبحوزته كمية من مخدر الحشيش ، حيث حوكم وقضى عليه بالسجن لثلاث سنوات .

أذكر أنه كان يفضل الإبتعاد عن المشكلات التى قد تهدده بالحرمان من العمل فى السجن ، فقد كان يفعل كل ما بوسعه حتى يستمر فى عمله كى يتمكن من جمع بعض الأموال وإرسالها إلى أسرته فى الخارج ، فى نفس الوقت فقد كان يخشى كثيرا من زملائه الذين يحقدون على بعضهم البعض ويتفنون فى تصيد النقائص والعيوب ، ومحاولة الوشاية بزملائهم وبغيرهم بسبب وبدون سبب ، وكان نوباتجية مجموعة عنابر (هـ) التى يعمل بها والتى كنت أقيم بأحد عنابرها يعملون تحت قيادة مسجون قديم محكوم عليه بالمؤبد فى جناية قتل عمد هو "محمد سعد مطاوع" الشهير بـ" الشينكار" ، لم يكن هذا الشخص سيئا إلى درجة كبيرة ، لكن علاقته بضباط المباحث والمخبرين كانت قوية جدا ، كان دائما يتقرب منى عسى أن يخرج ببعض المعلومات التى قد تصلح لتقديمها الى ضباط المباحث كى يستمر فى عمله ، فالأساس فى كل الأعمال التى يمارسها المسجونون هو جمع المعلومات والوشاية أو (الإرشاد) كما يسميها المسجونون .

أذكر أن " الشينكار " كان دائم التعنيف لمحمد ، يتهمه بالإهمال فى عمله ويهدده بتخزينه ، بالرغم من أن محمد لم يكن مهملا على الإطلاق ، بل كان حريصا على عمله أكثر من الآخرين ، لكن يبدو أنه لم يكن مرضيا عنه من قبل مباحث السجن لقلة أو إنعدام المعلومات التى يجمعها من العنابر أثناء عمله ، فكان دائما عرضة للتوبيخ والتهديد بالتخزين ، وتصيد الأخطاء .

كان محمد ينتظر إنتهاء فترة عقوبته حتى يتم الإفراج عنه والعودة إلى أسرته فى الرابع من شهر نوفمبر عام (2009) ، وكانت المصادفة أننى سأستحق الإفراج الشرطى بثلاثة أرباع المده بعده بيومين إثنين ، فى السادس من الشهر ذاته ، أذكر أننى تحدثت معه يوم الرابع من مايو عام (2009) مذكرا إياه بأنه لم يتبق سوى ستة أشهر قبل أن يغادر هذا السجن إلى الأبد ، كانت لديه آمال عريضة بأن يخرج لأسرته ويبحث عن عمل ليستكمل حياته من جديد ، لكن لم تمض اربعة أيام على تلك المحادثة حتى أتت الرياح بما لا تشتهيه السفن .

ففى يوم الجمعة الثامن من مايو عام (2009) ، كان محمد يمارس عمله المعتاد داخل عنبر (22) الذى كنت أقيم فيه ، قام بغسل أرضية العنبر كامله فى وقت قياسى ، ثم جلس ليستريح قليلا ، ويبدو أن أحد زملائه إستغل جلوسه للراحة كى يشى به عند " الشينكار" الذى حضر سريعا وإستغل الفرصة كى يحرمه من مواصلة العمل ويطلب منه العودة إلى العنبر تمهيدا لتخزينه وتسكينه فى أحد العنابر المزدحمة بالسجناء ، حاول محمد الدفاع عن نفسه واقناعه بأنه كان فقط يلتقط أنفاسه بعد قيامه بتنظيف العنبر ، غير أنه لم يكلف خاطره الإستماع اليه وطالبه بالعودة إلى العنبر فورا .

عاد محمد إلى العنبر مثقلا بالهموم ، فهو مهدد بالحرمان من العمل الذى ينفق منه على أسرته فى الخارج ، لم تمض عدة دقائق حتى شعر بألم شديد ، وسقط أرضا داخل دورة المياه ، حمله زملاؤه إلى مستشفى السجن ، حيث وقع الكشف الطبى عليه ليكتشف إصابته بذبحة صدرية تستدعى نقله بشكل عاجل إلى مستشفى خارجى لإسعافه ، فمستشفي السجن ليست مؤهلة للتعامل مع تلك الحالة ، وكما هو متوقع لم يتم نقله الى مستشفى خارجى ، فالمتبع داخل السجن أن المباحث يجب أن تخاطب قطاع مصلحة السجون قبل أن تنقل أى مسجون خارج السجن حتى ولو للعلاج ، ولا يمكنهم التصرف وارساله الى المستشفى قبل أن يصلهم الرد الذى قد يستغرق عدة ساعات ، وبالطبع لم يكن الوقت يسمح بالإنتظار ، ولم ينتظر محمد كثيرا قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيره داخل مستشفى السجن بعد أقل من ساعة على نقله اليها .