الأربعاء، أكتوبر 10، 2012

الحرية الغائبة فى عصر الإخوان

عندما أصدر الرئيس المصرى محمد مرسى قراره بالإفراج عن كل من تم إعتقالهم منذ قيام ثورة يناير حتى الآن تنازعنى شعورين بالغى التناقض، الشعور الأول كان يتمثل فى فرحتى الشديدة بخروج الاف المدنيين الذين قضوا شهورا طويلة داخل السجون بموجب محاكمات عسكرية تفتقر إلى العدالة والمشروعية ، أما الشعور الثانى فقد تمثل فى حالة قلق مبرر على مستقبل البلاد الذى صار رهينا بديكتاتور جديد يجيد استخدام الحيل والألاعيب السياسية لخداع الجماهير وتنويمها ، بعد أن فشل فى تحقيق وعوده التى ربطها بالمائة يوم الأولى من حكمه وإستغل هذا القرار لمغازلة مشاعر الجماهير .
لكن فى غمرة تلك الفرحة بهذه القرار الذى ساعد مرسى كثيرا فى رفع مؤشر شعبيته نسبيا بين البسطاء من الشعب المصرى الذين يشكلون غالبيته العظمى ، فقد غفل كثيرون عن إنتهاكات لحقوق الإنسان باتت تمارس بشكل منهجى منذ لحظة وصول الرئيس الجديد إلى السلطة ، فخلال شهر واحد فقط سجلت العديد من حالات الإحتجاز والتحقيق والسجن بحق شباب ونساء وأطفال أيضا بتهمة إزدراء الأديان التى صارت إحدى وسائل النظام الإخوانى الحاكم لكسب الدعم من أغلبية ترى فى الرأى المخالف جريمة تستوجب العقاب ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعقيدة بشكل عام وبالإسلام على وجه خاص .
إلى أجل غير مسمى سيظل الشطر الأول من الهتاف الشهير: " يا حرية فينك فينك ؟؟ ..... " حاضرا فى تظاهرات قوى المعارضة المدنية المصرية ، دون أن يجد من يحاولون استدعاء تلك " الحرية " من خلال هتافهم أى أثر لها ، من المحتمل فقط أن يتغير محتوى الشطر الثاني من الهتاف على حسب المستجدات ، بعد انتهاء عصر " أمن الدولة " و " الحزب الوطني " و " حسنى مبارك " ومختلف القوى التى كانت تقف في السابق حائلة بين مرددي هذا الهتاف وبين حريتهم ، ليحل محلها جماعات الإسلام السياسي و ميليشياتها شبه المسلحة والأحزاب الدينية وشخص الرئيس الإخواني " محمد مرسى " ومؤسسات الدولة التي بدأت في " التأخون " مجاملة للرئيس الجديد وجماعته ، بالإضافة إلى نعلى النظام السابق والحالى "الأزهر والكنيسة" والذين يبدو أنهما ناسبا مقاس قدم الرئيس الجديد ، وفضلا الإستمرار فى لعب نفس الأدوار القذره المسانده لقمع الأنظمة الحاكمة على إختلاف ألوانها ومشاربها ، وكل هذه القوى ظلت ثابتة فى أماكنها حائلة بين هؤلاء المتظاهرين وبين حريتهم التي يهتفون لها .
خرج المتظاهرون فى يناير من العام الماضى يطالبون بالحرية ، لكن بعضهم لم يكن يعنى الكلمة بحرفيتها ، فلا يمكننا الآن أن ننكر أن جزءا كبيرا ممن شاركوا فى التظاهرات التى أسقطت نظام مبارك كانوا ينتمون إلى تيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ، وبالطبع سنصبح غير منطقيين إن زعمنا أن الإسلاميون أيضا يريدون الحرية كما نفهمها ، فمرجعيتهم الفكرية وخلفيتهم الثقافية تتعارض تماما مع هذه القيمة ، وهم وإن استخدموا تلك الكلمة فى صياغة بعض أجزاء برامجهم السياسية أو فى نحت أسماء حزب من أحزابهم التي أنشأوها بعد سقوط نظام مبارك فهذا بالطبع لا يعنى أنهم جادون فى المطالبة بتلك الحرية ، فالحرية بالنسبة لهم هى مجرد شعار يجذبون به أتباعا مغيبين مجرد – فى الواقع - من مضامينه الحقيقية ، و القيود التى يريدون وضعها على تلك القيمة تجعل من الحديث عن أى شكل من أشكال الحرية فى زمنهم ضرب من العبث .
على كل حال ، فواقع مصر الآن يثبت صحة ما أقوله ، فبعض من كانوا يؤيدون الثورة ويتحمسون لها بدأوا فى الترحم على عهد مبارك الذى ثبت – رغم كل شىء - أنه لم يكن أشد سوءا مما عليه الحال الآن ، ولكونى أحد من تعرضوا للقمع فى عهد نظام مبارك بسبب كتاباتى التى أودعت بسببها السجن لأربع سنوات بحكم قضائى بتهمتى إزدراء وتحقير الدين الإسلامى وإهانة رئيس الجمهورية ، أشعر الآن عندما أقرأ الأخبار اليومية وأنا فى منفاى الإختيارى بأوروبا أن الحظ قد حالفنى عندما حوكمت بهاتين التهمتين فى عهد النظام السابق ولم ألاقى مصيرا مثل الذى يعايشه الآن من حوكم بنفس التهمتين فى زمن الإخوان .
منذ أسابيع قليلة صدر حكم قضائى ضد مدرس قبطى يعيش فى إحدى محافظات صعيد مصر بالسجن لمدة ست سنوات بذات التهمتين اللتين لوحقت قضائيا بموجبهما ، والسبب قيام هذا المدرس القبطى الذى يدعى بيشوى البحيري بنشر صور قيل انها مسيئة للنبى محمد وتوجية عبارات تحمل اهانة للرئيس المصرى محمد مرسى عبر حسابه الشخصى على موقع فيس بوك ، ومنذ أيام وفى خضم الأحداث التى أعقبت نشر أجزاء من فيلم " براءة المسلمين " الذى نتج عنه خروج تظاهرات أمام السفارات الأمريكية فى عدد من دول الشرق الأوسط فى الذكرى الحادية عشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ونتج عنه مصرع عدد من موظفى قنصلية الولايات المتحدة فى مدينة بنى غازى الليبية ، ومحاولة اقتحام سفارة الولايات المتحدة فى القاهرة ، تجمع عدد من الغوغاء أمام منزل الناشط السياسي والمدون ألبير صابر فى أحد ضواحي القاهرة محاولين الفتك به والإجهاز عليه بحجة نشره لرابط الفيلم على صفحته على موقع فيس بوك ، وعندما استغاثت والدته بشرطة النجدة ، حضر عدد من أفراد الشرطة وبدلا من أن يبادروا بحماية نجلها والقبض على هؤلاء الغوغاء الذين يهددونه ، القوا القبض عليه ليتعرض للتعذيب البشع داخل قسم الشرطة قبل أن يتم تحويله إلى النيابة العامة التي أصدرت قرارا بحبسه على ذمة التحقيق بتهمة ازدراء الأديان ! .
وقبل أيام أحيلت مدرسة قبطية إلى التحقيق الجنائى بسبب بلاغ قدمه طالب فى الصف الثانى الإعدادى يتهمها فيه بإهانة محمد عندما كانت تدرس لفصله أحد النصوص المقررة ، والسبب عدم قيامها بالتعقيب على ذكر إسم محمد بعبارة " صلى الله عليه وسلم " التى يرددها المسلمون ، وتم حفظ التحقيق فى نهاية المطاف قبل تنامى الفضيحة عندما إكتشف أن الطالب مقدم البلاغ كان متغيبا عن المدرسة فى هذا اليوم .
ومنذ أيام أيضا رجت البلاد فضيحة قضائية مدوية عندما قررت النيابة العامة إيداع الطفلين نبيل ناجي رزق (10 سنوات) ومينا نادي فرج (9 سنوات) أحد مراكز إحتجاز الأحداث لمدة أسبوع بتهمة إزدراء الدين الإسلامى لقيامهما بالتبول علنا على أوراق من القران كانت ملقاة فى القمامة ، على الرغم من أن قانون الطفل الذى لا يزال سارى المفعول فى البلاد ينفى المسئولية الجنائية عن كل من يقل عمره عن ستة عشر عاما ويمنع إحتجازة ، وفيما بعد تم تدارك الفضيحة بالإفراج عنهما دون محاسبة وكيل النيابة الذى تورط فى هذا الأمر .
وقبل أيام أيضا ذهبت الطالبة الجامعية بسمة ربيع إلى قسم الشرطة لتحرر محضرا ضد والدتها الصيدلانية وشقيقها وعمها اللذين إعتدوا عليها بالضرب و حاولوا قتلها بدس السم فى طعامها لوجود علاقة بينها وبين شاب يدعى حمدى جمال ، وفى لمح البصر تحولت الضحية إلى جان وتم إحتجاز الفتاة وصديقها والتحقيق معهم بتهمة إزدراء الأديان لقيام الفتاة بالإفصاح عن إلحادها ورفضها مبدأ الزواج ، قبل أن يفرج عنهم قاض التجديد بكفالة قدرها مائة جنية .
بيشوى ، والبير ، وبسمة ، وغيرهم ، ليسوا الوحيدين فى هذا المضمار ، فانتهاكات حرية الرأى والتعبير منذ تولى الرئيس مرسى الحكم فى تزايد مستمر ، وما يصل إلينا عن طريق وسائل الإعلام أقل بكثير مما هو موجود بالفعل ، فالقضايا التى يرفعها المحسوبين على التيار الإسلامى الحاكم ضد الإعلاميين والصحفيين وأصحاب الرأى أصبحنا نطالعها فى أخبار كل صباح ، ولا مجال هنا للحديث عن حرية الرأى والتعبير بعد أن تحول الرئيس الإخوانى محمد مرسى إلى إله جديد يهاجم أتباعه بضراوة من يقترب منه بالنقد أو الهجوم بشكل لم نعهده حتى فى عهد مبارك ، فالقضايا التى تنظرها المحاكم والمرفوعة من أعضاء فى جماعة الإخوان المسلمين ضد منتقدى مرسى باتت تفوق القدرة على الحصر .
الحقوق المدنية والحريات الشخصية والسياسية وحرية الرأى والتعبير أصبحت جميعا فى خطر حقيقى الآن أكثر من أى وقت مضى ، وقضية ألبير صابر وبيشوى البحيرى خير شواهد على ذالك ، والدول الغربية التى دعمت وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة فى مصر وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ينبغى أن تقر وتعترف بجريمتها فى حق شعوب دول ما يعرف مجازا بـ " الربيع العربى " ، وأن تعمل على تدارك الأمر وإصلاحه حتى لا يطولها منه جانب غير محمود ، وما اقتحام سفارة أمريكا بالقاهرة وقتل الدبلوماسيين الأمريكيين فى بنى غازى بتحريض مباشر من جماعات التطرف الإسلامية وثيقة الصلة بجماعة الإخوان المسلمين عنا ببعيد .
على الشعب الأمريكى أن يدرك وهو على أبواب إنتخابات الرئاسة أن الإدارة الأمريكية الحالية قد أجرمت كثيرا فى حقه وفى حق شعوب أخرى عندما وضعت يدها فى يد ثلة من المتطرفين الإسلاميين الذين يمتلكون نفس الجذور الفكرية والعقائدية التى يمتلكها مدبرو ومنفذو هجمات الحادى عشر من سبتمبر التى أوقعت مئات الضحايا الأبرياء من أبناء شعبهم وهى ذات الجذور التى شجعتهم ودفعتهم لتنفيذ هذا الهجوم المجرم وغيره من الهجمات ضد الأهداف المدنية فى عدد من الدول الغربية ، وهى أيضا أجرمت فى حق شعوبنا عندما ساعدت المتطرفين الإسلاميين على الوصول إلى السلطة فى بلادنا ومهدت لهم الطريق وهى مسئولة بشكل غير مباشر عن دماء الضحايا الأمريكيين الذين سقطوا فى بنى غازى خلال هذا الشهر عندما دعمت حلفائهم وسهلت لهم السيطرة على مقاليد الأمور ، ومسئولة أيضا عن أى دماء سالت أو سوف تسيل فى بلادنا على يد تلك الجماعات المتطرفة .
مئات من علامات الاستفهام والتعجب أيضا تحيط بسياسات إدارة الرئيس أوباما تجاه منطقة الشرق الأوسط منذ توليه منصبه ، وأسئلة كثيرة مطروحة تفتقد لأجابات مقنعة تضع إدارة أوباما فى موضع الاتهام ، وعلى الشعب الأمريكي أن يحاسب إدارته على تلك السياسات التى دمرت مستقبل شعوب منطقة الشرق الأوسط ، وضاعفت من المخاطر التى تهدد أمنه وأمن الشعوب الأخرى عن طريق دعم المتطرفين الإسلاميين ومحاولة تمويه حقيقة أن الإرهاب الذى تمارسه بعض الجماعات المتطرفه ضد المصالح الغربية والأهداف المدنية هو عمل إسلامى بإمتياز يتطابق تماما مع ما ورد فى كتب التراث الإسلامى والتى يؤمن بها المسلمون .
الأجزاء التى عرضت من فيلم " براءة المسلمين " جاءت متطابقة فى الغالب مع ما جاء فى كتب التراث الإسلامى بإستثناء ما ورد من حديث حول مثلية محمد ، وسماحه بممارسة الجنس مع الأطفال الذكور ، فهذا لم يمر على طوال فترة دراستى للإسلام فى الأزهر ، وأعتقد أنه مجرد مبالغة من صناع الفيلم الذين نحجوا فى إستفزاز مشاعر المتطرفين من المسلمين الذين أنتجوا فيلما آخر أساءوا فيه إلى أنفسهم و أكدو ا- بما لا يدع مجالا للشك- صحة ودقة ما ورد فى الفيلم الذى خرجوا للإحتجاج عليه ، ولا أعتقد أن الشعب الأمريكى فى حاجة إلى تقديم إعتذار لأحد لشبهة حمل بعض صناع الفيلم للجنسية الأمريكية لثلاثة أسباب ، أولها وأقلها أهمية بطبيعة الحال هو أن هذا الفيلم تقع مسؤليته على صناعه دون غيرهم ولا يجب أن يتحمل شعب كامل مسؤلية ما قامت به مجموعة صغيرة تنتمى إليه ، وثانيها وأوسطها فى الأهمية هو أن حرية الرأى والتعبير ينبغى أن تكفل وتصان وأن لا يلتفت إلى المجموعات الهمجية التى ترغب فى تقييدها بحجة عدم المساس بالأديان والمقدسات الدينية ، وأن أحد أسباب نهضة المجتمعات الغربية وتقدمها هو إيمانها المطلق المدعوم بالتطبيق العملى بالحرية المطلقة للفرد ، وأن دعائم هذه النهضة وهذا التقدم ستتقوض لا محالة إن وضعت القيود والمحاذير على الحريات الفردية والعامة ، أما عن ثالث هذه الأسباب فهى أن الفيلم رغم تفاهته وسطحيته يتعرض لقضية خطيرة ينبغى تسليط الضوء عليها وعدم إهمالها وهى جذور العنف والتطرف المرتبطة بالعقيدة الإسلامية وبمؤسس تلك الديانة ، وأن حياة شخص مثل محمد تحتاج إلى تسليط الضوء عليها وزيادة الإهتمام بها بعيدا عن عمليات التجميل التى يجريها على جثته المتعفنة بين الحين والآخر بعض الدعاة الإسلاميين الذين يسعون لخداع الشعوب الغربية وتصوير الإسلام لهم على غير حقيقته التى أراها فى قمة البشاعة .
على الغرب أن يعيد النظر فى مصطلح " الإسلاموفوبيا " ، فالإسلام – من وجهة نظرى – يمثل خطرا حقيقيا على الإنسانية ، والتخوف منه ومن مخاطره أمر طبيعى لا يختلف عن الخوف من الموت تحت عجلات قطار مسرع ، وعلى الغربيين أن يقرأوا الإسلام جيدا وأن يطالعوا كتب التراث الإسلامى مباشرة دون وسيط لديه مصلحة فى تحريف ترجمة معانى القرآن وغيرها ، عليهم أن لا يستقوا معلوماتهم عن الإسلام من دعاة مسلمين يخدعونهم ، أو مسلمون طيبون مغيبون لا يعرفون الكثير عن حقيقة دينهم .