الجمعة، مايو 03، 2013

في اليوم العالمى لحرية الصحافة : متى ستحاسب ماليزيا على جريمتها فى حق حمزة كشغرى ؟!!


فى الثانى عشر من شهر فبراير من عام 2012 ، أقلعت من مطار كوالالمبور الدولى طائرة ركاب متجهة إلى أحد

مطارات المملكة العربية السعودية ،كانت هذه الطائرة تقل على متنها الصحفى والكاتب والمدون السعودى حمزة

كاشغرى ، لم يكن تواجد حمزة على متن تلك الطائرة موافقا لرغبة شخصية منه بالسفر إلى البلد التى ولد وعاش على

أرضها ، لكنه كان مجبرا على السفر إلى هناك - على غير إرادته - بعد أن القت السلطات الماليزية القبض عليه فى

المطار حال وصوله اليه فى انتظار رحلة أخرى تقله إلى بلد آخر !

قبل ثمانية أيام من هذا التاريخ أصبح حمزة كشغرى حديث المجتمع الإفتراضى والواقعى فى المملكة السعودية وخارجها

، وكان السبب بضع تدوينات قصيرة تركها على موقع تويتر للتواصل الإجتماعى ، كان يتحدث فيها إلى النبي محمد

فى ذكرى مولده جاء فيها حسب ما نشرته بعض المواقع الإلكترونية :

""""

في يوم مولدك لن انحني لك، لن أقبل يديك، سأصافحك مصافحة الند للند، وابتسم لك كما تبتسم لي

وأتحدث معك كصديق فحسب .. ليس أكثر

في يوم مولدك أجدك في وجهي أينما اتجهت، ساقول إنني أحببت أشياء فيك، وكرهت أشياء

أخرى ولم أفهم الكثير من الأشياء الأخرى!

في يوم مولدك سأقول إنني أحببت الثائر فيك، لطالما كان ملهما لي ولم أحب هالات القداسة،

لن أصلي عليك

""""

بعدها اشتعلت حرب التصريحات ضده ، وطالب الكثيرون بالقصاص منه وقتله لما اعتقدوا أنه قد أهان نبيهم محمدا

بما كتبه من خلال تدويناته القصيرة تلك ، رغم أنها لم تحمل للوهلة الأولى أى معنى من معانى الإهانة ، لكن القدسية

المبالغ فيها والتى يمنحها بعض المسلمين لمحمد تجعلهم غير قاادرين على تقبل أى محاولة للتعامل معه بشكل قد يحجب

ولو جزئيا قدرا ضئيلا من هالة القدسية التى ينسجونها حوله ، ظهرت بعد ساعات دعوات تطالب بالقبض على حمزة

ومحاكمته بتهمة الردة عن الإسلام ، وقتله ، فاضطر حمزة إلى مغادرة المملكة سريعا بعد صدور أمر بالقبض عليه .

توجه حمزة فى البداية الى العاصمةالأردنية عمان ، ومنها توجه إلى مطار العاصمة الماليزية كوالالمبور فى طريقه الى

نيوزيلندا منتويا -حسب ما أشيع بعد ذالك- طلب الحصول على حق اللجوء السياسي بها ، لكنه بعد وصوله الى

الأراضى الماليزية اعترضه رجال أمن والقوا القبض عليه .

فى هذه الفترة القصيرة بذ لت جهود كثيرة من أجل منع ترحيل حمزة الى السعودية حتى لا يواجه إتهامات قد تصل

عقوبتها إلى الإعدام لمجرد تعبيره عن رأيه ، كان أكثرناتفاؤلاافى هذا الوقت لا يتوقع أن ترتكب الحكومة الماليزية

مثل هذه الحماقة ، فهى تعرف جيدا المصير الذى سينتظر حمزة حال ترحيله إلى بلده ، خاصة أنه لا توجد اتفاقيات

موقعة بين البلدين لتسليم المطلوبين ، كما أن حمزة لم يكن قد صدر ضده حكم نهائى نافذ يستوجب تسليمه كما أن

قضيته ليست من ضمن القضايا التى تدخل ضمن إختصاص البوليس الدولى (الإنتربول) ، لكن كل توقعاتنا منيت

بالخيبة عندما نشر فى الثانى عشر من فبراير خبرا مفاده قيام السلطات الماليزية بترحيل حمزة الى السعودية ، والتى

قامت سلطاتها بالقاء القبض عليه فور وصوله الى المطار وايداعه بأحد سجون مدينة الرياض فى إنتظار التحقيق والمحاكمة.

من غير المنطقى بالمرة أن نتجاهل الدور الذى لعبته السلطات الماليزية فى قضية حمزة وهوالدور الذى أعتقد أن

التغاضى عنه يمثل جريمة أخرى فى حق حمزة يرتكبها - عن غير قصد - مناصروه وداعموه هذه المرة ، فتسليم

مواطن مارس حقه فى التعبير عن رأيه إلى دولة قد تقتله لممارسته هذا الحق هو جريمة ينبغى أن يعاقب المتورطون

فيها والصمت عنها هو مشاركة فيها ، ولا يكفى أن نركز كافة جهودنا على إدانة السلطات السعودية التى تنتهك حق

حمزة فى حرية التعبير عن الرأى وتحتجزه وتحاكمه لهذا السبب وقد تقتله ، بل علينا أن نراجع الأسباب التى أدت الى

ذالك لندين كل الأطراف التى تسببت فى حدوث هذه المأساة .

جميعنا يعلم جيدا أن السلطات السعودية هى سلطات جائرة تفعل قوانين غير إنسانية بالمرة تتضمن عقوبات بدنية

تنتمى إلى القرون الوسطى وما قبلها تطبيقا لأحكام الشريعة الإسلامية ، وهو الأمر الذى ينبغى أن يجعلنا نتعامل معها

بحذر شديد حين يتعلق الأمر بقضايا مثل اتفاقيات تسليم المجرمين ، حتى وإن كانوا مجرمين حقيقيين مدانين

بارتكاب أفعال متعارف عليها فى أغلب دول العالم على أنها جرائم ، فمن غير الإنسانى بالمرة تسليم شخص إلى دولة

تطبق عقوبات كالجلد أو الرجم وبتر الأعضاء وفقىء العيون وقطع الرقاب بحد السيف حتى وإن كان هؤلاء الأشخاص

متورطين فى جرائم قتل أو سرقة أو إغتصاب ، الدولة التى تنتهج مثل هذه الممارسات لا ينبغى أن يتم التعامل معها

بإعتبارها دولة بالمفهوم المعاصر ، فالكيان الذى لا يحترم مواطنيه ولا يصون كرامتهم ويحفظ حقوقهم وحرياتهم ينبغى

أن يعامل معاملة القبائل الهمجية البدائية ، حتى وإن إمتلك النفط والغاز والمال ، ولا ينبغى لأى دولة تحترم مبادىء

حقوق الإنسان أن تتعامل مع كيان مماثل لمجرد أن المصالح المشتركة تحكم علاقتهما ، من غير الإنسانى ومن غير اللائق -بطبيعة الحال - أن نحترم حقوق الانسان داخل حدود بلداننا ثم نبنى علاقات جيدة مع كيان آخر ينتهك هذه الحقوق ونوقع معه اتفاقيات لتسليم المطلوبين دون أدنى شعور بالذنب ، هذا التناقض يخلق دولا ذات وجهين وأكثر ، تتعامل مع القضايا الانسانية بمعايير مزدوجة ، ولا أظن أن هذا يليق بدولة تحترم نفسها والمبادىء التى تحكمها .


رغم مرور أكثر من عام على صدور هذه التصريحات عنه ، لم أستطع حتى هذه اللحظة فهم المنطق الذى كان يتحدث به وزير

داخلية ماليزيا عندما صرح للبي بي سي فى معرض دفاعه عن قرار حكومة بلاده بترحيل حمزة الى السعودية بأن

بلده لن تسمح للمجرمين الهاربين من حكوماتهم بإتخاذ ماليزيا ملاذا آمنا لهم ، فعلى حد علمى حمزة كان فى

طريقه الى نيوزيلندا ، وكان يستخدم مطار العاصمة الماليزية للعبور إلى هناك ولم يكن لديه أدنى رغبة فى دخول

ماليزيا او الإقامة على أراضيها ، هذا بالطبع إن تجاهلنا وصف المسؤل الماليزى له بالمجرم رغم عدم صدور حكم

قضائى نهائى يدينه فى أى قضية حتى وقت كتابة هذه السطور ، فضل عن كون ما فعله وإتهم به يندرج تحت حرية

الرأى والتعبير وهى من الحقوق الأساسية اللصيقة بكل إنسان .

عندما قرأت تصريحات الوزير الماليزى والتى كان يدافع فيها عن قرار الترحيل شعرت بأن هذا الرجل إما أنه يعيش

فى عالم آخر أو أن الحكومة التى يعمل لديها تحسب للسلطات السعودية الف حساب ولا تجرؤ على أن ترد لها طلبا ،

فقد وصف المخاوف من تعرض حمزة كشغرى للتعذيب أو القتل بأنها سخيفة معللا ذالك بأن السعودية دولة " محترمة

" وأنا لا أعرف على وجه التحديد ما الذى يعنيه الإحترام فى عرف هذا الوزير !! هل يعد من موجبات الإحترام قتل

الناس فى الشارع وعلى الملء بحد السيف وقطع أطرافهم وجلدهم وممارسة سائر العقوبات البدنية الأخرى ، هل من

الممكن أن توضع مثل هذه الممارسات فى جملة مفيدة مع كلمة الإحترام ، ثم عن أى إحترام يتحدث هذا الوزير

الذى ورطت حكومته بلده فى حماقة هى أقرب إلى أن تكون جريمة بشعة ستظل وصمة عارها تلحقه هو وحكومة

بلده طوال الوقت ، فالدولة التى تسلم مواطنا مهددا بالقتل إلى قاتليه المحتملين هى أقرب إلى عصابات المافيا منها

إلى الدولة بكيانها المتعارف عليه .

إن الصمت على ما إرتكبته ماليزيا بحق حمزة كشغرى قد يشجع دولا أخرى على أن تحذو حذوها مع ضحايا محتملين

آخرين تحت إغراءات متعددة ، ولا ينبغى هنا الدفع بأنه لا جدوى من الحديث حول دور ماليزيا لأنه لن يفيد شيئا فى

قضية حمزة حتى وإن إعتذرت عن هذه الجريمة ، فعدم إدانة ماليزيا أخلاقيا على الأقل يفاقم من حجم المشكلة

ويضاعفها ، كما أن إجبار مواطن سافر بشكل شرعى على العودة أو التوجه إلى وجهة محددة أمر ينبغى التصدى له

دوليا .

إننى أرى أن مهمة الشرطة الدولية ينبغى أن تكون أكبر مما هى عليه الآن ، فأنا لا أجد منطقا وراء السماح للدول

الأعضاء فى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية " الإنتربول " فى توقيع إتفاقات منفردة بينها وبين بعضها لتسليم

المجرمين فى الوقت الذى يمكنهم فيه تحقيق ذات الغرض تحت مظلة " الإنتربول " إلا إن كانت الدوافع السياسية

البعيدة كل البعد عن الغرض من توقيع مثل هذه الإتفاقيات هى التى تحكم هذا الأمر وتدفع تلك الدول الى توقيع

مثل هذه الإتفاقيات ، لذالك أرى أنه من الأفضل إلزام الدول العضاء فى المنظمة على إجراء كافة عمليات ترحيل

وتسليم المجرمين أو المطلوبين تحت مظلة الإنتربول و إلغاء كافة الإتفاقيات الأخرى التى هى فى رأيي تفتح أبوابا

للعبث بمصائر الناس وتضع حريتهم وسلامتهم البدنية بل وحياتهم أيضا موضع تهديد لدوافع سياسية صرفة لا علاقة لها

بتطبيق القانون أو ملاحقة المتورطين فى جرائم حقيقية ، وفى هذا الإطار ينبغى أن يتم حظر تسليم أى مواطن إلى أى

بلد بعيدا عن مظلة المنظمة الدولية ، وأن تتم معاقبة الأطراف التى تقوم بذالك بعقوبة رادعة مناسبة وأن يلاحق جنائيا

المسؤول الذى يثبت تورطه فى إتخاذ أى قرار مماثل حتى يكون عبرة لغيره .

أعرف أنه لا توجد إتفاقيات لتسليم المجرمين بين ماليزيا والمملكة العربية السعودية ، وأن ماليزيا تطوعت بالقيام

بذالك دون أن يكون هناك ما يلزمها قانونا بإرتكاب مثل هذه الحماقة ،وهو الأمر الذى يجعل من الضرورى التدخل

لوضع حد لمثل هذه الممارسات التى أعتقد أنها تتكرر دائما دون أن يتم تسليط الضواء عليها سوى فى حالة حمزة

التى ظهرت إلى النور لكونه وجها إعلاميا معروفا لدى النشطاء فى المملكة ، وأعتقد أن الأمر بات ضروريا وملحا خاصة

مع إرتفاع موجة التشدد الدينى فى منطقة الشرق الوسط ووصول حكام من ذوى خلفية متطرفة إلى السلطة فى مصر

وتونس وليبيا وما يصاحب ذالك من مخاوف مشروعة متعلقة بتوجه نحو تغيير النصوص القانونية لجعلها متوافقة أكثر

مع أحكام الشريعة الإسلامية مما قد يفتح الباب أمام ظهور " سعودية " و " إيران" و " طالبان " أخرى فى تلك الدول

التى لفحها لهيب الثورات العربية التى أصبح فى حكم المؤكد أنها ستتحول فى الخطاب الاعلامى عما قريب إلى

ثورات إسلامية أسوة بثورة الخومينى فى إيران .

بالطبع يجب أن نعمل على إطلاق سراح حمزة كشغرى من سجنه بالسعودية ، بأى وسيلة متاحة ، بما فى ذالك اللجوء الى

كافة وسائل الضغط السياسي ، لكن أيضا لا يجب أن نغفل عن أن الدور الذى لعبته ماليزيا هو الذى وضعنا ووضع حمزة

فى هذا المأزق الخطير وفى ظل عدم وجود آلية قانونية دولية قوية تمنع مثل هذه الممارسات فإنها ستصبح مرشحة

للتكرار ، لذالك فإن إستغلال هذا الأمر لإستحداث وتفعيل تلك الآلية أراه ضروريا إن كنا بالفعل نفكر فى إتجاه

تجفيف منابع جرائم إنتهاكات حقوق الإنسان ومنع مثل هذه الجرائم قبل وقوعها ، ولسنا فقط نتعامل مع هذه القضايا

بعد فوات الأوان ووقوع ضحايا مثل هذه الإنتهاكات بين أيادى جلديهم الذين لا يلتفتون إلى نداءات ومناشدات

وقف تلك الممارسات الإجرامية ويمنحهم النفط والمال حصانة من العقوبات فى عالم تغيب فيه شمس العدالة لصالح من

يمتلك النفط والمال والسلطة والنفوذ .