الأربعاء، ديسمبر 18، 2013

من أوراق السجن: "عم دسوقى" و "جواباته"

يلف المكان هدوء معتاد فى هذا الوقت من الصباح الباكر ، هذا الهدوء الذى لا يقطعه سوى أصوات قادمة من بعيد لإرتطام قطع معدنية صغيرة هى فى الغالب مفاتيح الأبواب الخاصة بزنازين العنابر ، و التى إستلمها الحراس لتوهم إستعدادا  لبدء يوم عمل جديد ، وأيضا أصوات زقزقة عصافير تقترب - على إستحياء -  من النوافذ التى تتخللها قضبان معدنية قائمة ومستعرضة تفصل فضاء الزنزانة الضيق عن الأفق الفسيح وكأنها تعبر بأصواتها تلك عن مشاعر تضامن مع (أو شماتة في) من هم قابعين داخل هذه الغرف التى تذكرهم ببنى جنسهم المحبوسين داخل أقفاص معدنية تملكها وتتحكم فيها كائنات أخرى تنتمى ( للمفارقة)  إلى نفس النوع الحيوانى الذى ينتمى إليه هؤلاء المحبوسين !!
الهدوء مستمر ، والأصوات البعيدة والتى تطرق الآذان خافتة بين الحين والحين تؤكد على وجوده وإستمراره ، هذا الهدوء الذى لا ينقطع قبل أن يدخل الى العنبر “ عم دسوقى “ صائحا بصوت يميزه الجميع : “ جوابات .. جوابات “ … لينهى هدوء الصباح ويفتتح صخب كل يوم فى هذا العنبر الممتلىء عن آخره بمن قيدت حريتهم تطبيقا لقانون الطوارىء !!
“ عم دسوقى “ كما عرفناه وإعتدنا أننا نناديه بهذا الإسم الذى يسبقه ذاك اللقب هو رجل يبدو فى العقد السادس من عمره ، يرتدى ملابس السجن الزرقاء ، ويجوب عنابر مجموعة “ هـ “ صباح أيام “ السبت “ و “ الإثنين “ و “ الأربعاء” ليجمع الخطابات التى كتبها المسجونون إلى معارفهم وذويهم لترسل إلى العناوين المخطوطة عليها ، ويقوم أيضا فى وقت لاحق بتوزيع الخطابات التى وردت للمسجونين عليهم بعد فتحها بمعرفة إدارة السجن وتفتيشها وربما قراءة محتوى بعضها قبل أن يصل ليد السجناء المرسل اليهم تلك الخطابات !! .
هذا هو عمله الذى يمارسه داخل السجن خلال فترة عقوبته ، والذى يتقاضى عنه راتبا شهريا هو نفسه الذى يتقاضاه كل المسجونين العاملين فى السجن ، وهو مبلغ قدره خمسة وعشرون جنيها مصريا ، هو بالأحرى ليس أجرا لقاء عمل ، هو فقط محاولة من وزارة الداخلية وقطاع السجون فى مصر لدفع تهمة إستغلال المسجونين للعمل بالسخرة داخل سجونهم عن طريق دفع هذا المبلغ الضئيل شهريا لهم !! .
من عادتى أن لا أعول كثيرا على القصص التى يرويها المسجونون فيما يتعلق بالأسباب التى ساقتهم إلى السجن ، فكثير منهم مهما كانت الإتهامات الموجهة اليهم يسهل عليهم الإدعاء بأنهم مظلومون وأبرياء ، متهمين  السلطات بأنها هى التى لفقت لهم القضية التى سجنوا بسببها ،  أو ملقين باللائمة على على عوامل أخرى ، كالدفع  بأنهم ضحايا  لحسن النية ونقاء السريرة و الجهل بالقانون .
ورواية  رجل البريد بالسجن “ عم دسوقى “ عن السبب وراء تقييد حريته تنتمى إلى هذا القسم الأخير.
، فعلى حد قوله ساقته خطى عاثرة إلى عالم السجن عندما قبل التوقيع كضامن لصديق له على عدد من إيصالات الأمانة التى حررها هذا الصديق ، ربما ليقترض مالا ، إختفى الصديق دون أن يسدد ما كان مدينا به ، ووقع “ عم دسوقى “ فى الفخ ، والزم بتسديد تلك المبالغ بوصفه ضامنا للشخص المدين ، عجز “ عم دسوقى “ عن ذالك فقدم الدائن الإيصالات إلى النيابة التى أحالت “ عم دسوقى “ الى المحكمة التى حكمت عليه بمجموع أحكام تجاوز العشر سنوات ، وبموجب إحدى مواد القانون الجنائى المصرى لست فى معرض  شرحها هنا أصبح بإمكانه أن يمكث فى السجن لست سنوات فقط يستطيع أن يغادر السجن بعدها دون أن يضطر لقضاء مجموع السنوات التى حكم القاضى عليه بها .

خطوات “عم دسوقى “ داخل العنبر كان ينتظرها المسجونون بمزيج من اللهفة والترقب ، فخطابات ذويهم تحمل اليهم أخبارا قد تكون سارة أو مؤلمة ، البعض منهم أيضا كان ينتظر خطابات من محاميه للإطلاع على سير قضية إعتقاله وما اذا كان محتملا أن يفرج عنه قريبا أم لا ، وبعض ممن تركوا خلفهم زوجاتهم وأولادهم ينتظرون الخطابات التى يطمئنون من خلالها عليهم ، لكن عدد الخطابات التى كان “ عم دسوقى” يحملها إلى - أنا-  وحدى فى كل مرة يحضر فيها الى العنبر تساوى -فى بعض الأحيان-  أو تتجاوز ضعفى عدد الخطابات التى يحملها إلى باقي المسجونين فى نفس العنبر الذى يتكون من ثمانية عشر غرفة أشغل بمفردى إحداها بينما تزدحم بقيتها بأعداد كبيرة من المسجونين تصل إلى 40 فردا فى الغرفة الواحدة !!.
كنت أيضا أنتظر “ عم دسوقى” فى كل مرة يوزع فيها الخطابات على النزلاء ، لكننى لم أكن أنتظر من خطاباته أن تحمل لى أخبارا عن أسرة تركتها خلفي أو قضية معلق بها مصيرى ، فقد كنت أنتظر خطابات من أشخاص لا أعرفهم ولم يسبق لى أن التقيت بهم ولا أعرف عنهم شيئا سوى أسماؤهم التى يذيلون بها خطاباتهم عند توقيعىها!!!.
فى الفترة التى سجنت فيها والتى بلغت أربع سنوات تلقيت فى زنزانتى عدد من الخطابات يقدر بالالاف من متضامنين من خارج مصر ، من مختلف المراحل العمرية ، ومن جنسيات متعددة ، بعضهم عرف عن قضيتى من خلال حملات التضامن التى كانت تقودها عدد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والحريات ، كمنظمة العفو الدولية ، ومراسلون بلا حدود ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان وغيرها ، والبعض الآخر تحمس لإرسال تلك الخطابات استجابة للحملة التى أطلقها أصدقاء لى مطالبين بالافراج عنى والتى كان إرسال الخطابات الى محبسي جزءا أصيلا منها .
تلك الخطابات التى كنت أتلقاها ساعدتنى كثيرا على تخطى وتجاوز محنتى ، ففي رأيي أنه وعلى الرغم أهمية إنهاء محنة سجين الرأى وبذل ما يمكن بذله من أجل الإفراج عنه فإن للإهتمام بالجانب النفسي والمعنوى فى حياة السجين أهمية لا أراها تقل عن الجانب المادى الذى أشرت اليه .
فالضغوط النفسية والمادية التى تمارسها السلطات التى تقمع الحريات فى البلدان التى تحكمها سلطة مستبدة تهدف فى الأساس الى كسر سجين الرأى وتحطيم معنوياته حتى يخرج منكسرا محطما منشغلا بإصلاح ما أفسده السجن عن الكتابة والتعبير عن رأيه الذى يؤرق المستبدين ويدفعهم الى اتخاذ ردود الأفعال الهمجية تجاه هؤلاء الذين لا يحملون سلاحا سوى لسان او قلم او لوحة مفاتيح ، ومن الممكن أن يغادر سجين الرأى سجنه بعد فترة قصيرة ، لكن قد تكون الضغوط التى مورست عليه فى تلك الفترة دون وجود معادل ايجابي يرفع من معنوياته التى تسعى إدارة السجن إلى تحطيمها كفيلة بتحويله من شخص قوى مقاوم قادر على التحدى والتصدى للظلم ، والصمود ، إلى شخص آخر ؛ محطم نفسيا يقضي فترة كبيرة من حياة ما بعد السجن فى التردد على عيادات الطب النفسي محاولا إصلاح ما أُفسد منه فى تلك الفترة .
الخطابات التى كنت أتلقاها خلال تلك الفترة أسقطت جدار زنزانتى وحطمت قضبان نوافذها وجعلتنى أشعر أن هذا السجن ليس سوى مجرد وهم فى عقول من يديرونه ومن يحرسون عنابره  ، حملتنى خطابات تلقيتها من مختلف بلدان العالم إلى تلك البلدان ، الرسومات التى خطتها أصابع تلاميذ المدارس الابتدائية فى أوروبا وأمريكا والكلمات التى كتبوها لى بخط يد طفولى بالاضافة الى كلمات التضامن والمساندة التى أرسلها لى أشخاص كثيرون كانت تصل سريعا إلى هدفها وتحقق ما قد يكون مرسلها قد فكر فيه أو ربما لا يكون قد خطر بباله  ، أزالت تلك الرسائل شعورى بالوحدة داخل السجن ونقلتنى إلى حيث بدأت رحلتها من بلاد لم تكن قدماى قد وطأت أرضها من قبل .
وعندما حان موعد مغادرتى للسجن ، لم يكن بإمكانى حمل تلك الكمية من الخطابات التى تجاوزت - عددا - الآلاف السبعة من الخطابات ، ووزنا لا يمكننى تخمينه لكنه تقديرا يتجاوز الخمس عشرة كيلو جراما ، فتركتها خلفى فى الزنزانة وأغلقت ورائها الباب مودعا هؤلاء الذين آنستنى فى وحدتى كلماتهم وشخبطات أناملهم الصغيرة وهم يرسمون حارسا وقضبانا وسجينا ويطالبون الحارس فى صرامة طفولية عابثة بإخراجه من محبسة !!، تلك الخطابات التى لن أنسي كيف ساعدتنى طوال شهر كامل فى اخفاء هاتف محمول داخل أحدها مستغلا زحام  الخطابات وكثرتها التى لن تشجع الحراس عند تفتيش الزنزانة على فتحها واحدا تلو الآخر كى تبحث فى طياته عما قد أخفيه داخله !!
لكن إدارة السجن وعلى غير ما هو معتاد مع المسجونين المفرج عنهم فتشت أمتعتى على باب السجن كى تتأكد من أننى لم أحمل معى وقت أن غادرته أية خطابات من تلك التى كانت تصلنى ، ولحسن الحظ ، عميت أبصارهم عن أن ترى الخطابات القليلة التى فضلت الإحتفاظ بها معى مخفيا اياها بين أمتعتى ، ونجحت فى الخروج بها بسلام !! .
والآن إذ ألتفت خلفي لأتذكر سجن برج العرب و “ عم دسوقى “ و الخطابات التى كانت تفتح وربما تقرأ قبل أن تصل الى ، أشعر بالحزن لأن هناك فى هذا العالم من لا يزالون يعانون من نفس ما عانيت منه ودفعت ثمنه سنينا فى السجن ، هؤلاء الذين سجنوا من أجل مبادىء نبيلة آمنوا بها ودافعوا عنها ودفعوا ثمن حريتهم غاليا ينبغي أن نستمر فى تقديم ما نستطيع أن نقدمه من أجل إنهاء معاناتهم أو تخفيفها ، إنهاءها بالضغط على حكومات بلادهم المستبدة ودفعها بالقوة إلى الإفراج عنهم ، أو محاولة تخفيفها بتقديم الدعم المعنوى والنفسي لهم بالكتابة اليهم وإطلاعهم أولا بأول على تفاصيل الجهود التى تبذل من أجلهم كى يختفي شعورهم بالوحدة والعزلة ويحل محله أمل بغد أفضل يغادرون فيه السجون منتصرين لمبائدهم وقيمهم و مرفوعى الرأس وفخورين بما بذلوه من أجل قضايا سامية آمنوا بها وضحوا من أجلها .

الاثنين، ديسمبر 09، 2013

عن تلك الزيارة الأخيرة: والدى السلفي ومانديلا الكافر !

رحيل نيلسون مانديلا قبل أيام جعل ذاكرتى تسترجع حوارا قصيرا دار بينى وبين والدى - السلفي - خلال زيارته الأخيرة لى بسجن برج العرب بداية ابريل عام 2007 .

الزيارة التى لم تتكرر وكانت هى المرة الأخيرة التى أراه فيها أو أرى أيا من أفراد عائلتى قبل أن تسلمنى إدارة مباحث أمن الدولة بالإسكندرية إليهم يدا بيد بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات ونصف فى منتصف نوفمبر عام 2010 كان غرضها الرئيسي مساومتى على مواقفى التى حكم على بالسجن لأربع سنوات من أجل تمسكى بها وأعلانى عن ذالك .

والدى لم يكن يأبه لما أخبرته به عن وضعى المتردى داخل السجن ، حيث كانت ادارته تضعنى فى زنزانة حبس انفرادى بعنبر شديد الحراسة والذى هو مخصص لفئتين لم أكن أنتمى لأى منهما وهما "المحكوم عليهم بالاعدام" و"الموقع عليهم جزاءات تأديبية" داخل السجن .


فالادارة ممثلة فى المأمور ورئيس وضباط المباحث كانوا يتعاملون معى منذ اليوم الأول وكأنه منوط بهم الأخذ بثأر المجتمع - الذى شعر بالاهانة عندما عبرت عن رأي رآه خارجا عن سياقه وخطوطه الحمراء - منى ، فلم يكتفوا بتأدية دورهم الطبيعى المنحصر فى تنفيذ الحكم القضائى الموقع ضدى والذى يقضي بإيداعى بالسجن كالمسجونين الآخرين المحكوم عليهم بعقوبة تسلب منهم حريتهم لفترة من الزمن ، ولكن كانوا يعبرون من خلال ممارسات غير انسانيه عن مشاعرهم الشخصية تجاهى وتجاه ما فعلت ؛ تمثل ذالك فى ايداعى بزنزانة لا تحتوى على دورة مياه ولا يسمح لى بمغادرتها حتى للاستحمام وخالية مما يضيء ظلامها ليلا .

كنت طوال تلك الفترة - والتى دامت لخمسة وستين يوما - انتظر أن يبادر أى شخص إلى زيارتى كى اطلعه على تلك التفاصيل الموجعه آملا فى أن يساهم ذالك فى ممارسة ضغوط على ادارة السجن وقطاع مصلحة السجون وتتدخل لتحسين وضعى بنقلى لعنبر آخر كباقي العنابر التى يشغلها السجناء المحكوم عليهم بالسجن ، وتخيلت ان زيارة والدى هى الفرصة السانحة لإيصال هذه الرسالة الى محاميي - الذين لم يكن لديهم علم فى هذا التوقيت بمكان إحتجازى - او حتى لأى من الجهات المتعاطفة والمساندة والمتعاونة ، غير ان اللهجة التى تحدث الى بها والدى جعلتنى افقد الأمل تماما !!!!.

كان والدى قد إستهل حديثه معى بعد أن حل الجندى الذى رافقنى من العنبر إلى غرفة الزيارة قيدا كان قد وضعه فى يداي على باب زنزانتى دون سبب واضح ومفهوم ودون أن يعير والدى الأمر أدنى إهتمام يذكر، إستهله بتنبيهى الى ان هذه قد تكون اخر مرة أراه فيها ان لم أمتثل لما يطلبه منى !!.

كان طلب والدى - والذى يبدو أنه قد صيغ فى ذهنه جيدا قبل ساعات من توجهه لزيارتى - يتمثل فى أن أبادر بالإعلان عن توبتى وتبرأى من المقالات التى كتبتها وكانت سببا فى دخولى السجن لإحتوائها على ما رأت فيه جامعة الأزهر والنيابة العامة والمحكمة والمدعين بالحق المدنى إزدراءا وتحقيرا للإسلام وإهانة للرئيس المصرى (السابق) مبارك .

أجبته موضحا أن قناعتى بصحة موقفى جنبا إلى جنب مع إيمانى الراسخ بحريتى وبحقي المطلق فى التعبير عن رأيي دون قيود يدفعنى إلى التمسك بموقفى والثبات عليه خاصة أننى إتخذته وأنا مدرك تمام الإدراك لعواقبه وتبعاته ، وهو موقف موجه بالأساس ضد القيم الاجتماعية السطحية المحقرة للحريات والمحرضة على إنتهاكها وأيضا هو موجه ضد القوانين المقيدة للحريات فى مصر ، والتى خاطرت - عن طيب خاطر - من أجل تحديها والتمرد عليها ، معبرا له - فى ذات السياق - بحدة تتلائم والموقف عن رفضي الشديد للمساومة على مواقفى وقناعاتى ، وأن زيارته لى غير مرحب بها من جانبي إن كانت مشروطة بإتخاذ مواقف بعينها لا تتوافق وقناعاتى وما أؤمن به ، وأنه إن أصر على ذالك فلن أكون راغبا فى أن أرى وجهه أو وجه من يتفق معه فى هذا الموقف مرة ثانية .


حديث والدى معى بلهجة إتسمت بالغضب والحدة والتجهم المصحوبين بسيل من التهديد والوعيد الموزعان الموزعان بين الدنيا والآخرة ، لم يمنعه من أن يتسائل أمامي وبصوت مرتفع عن الدافع الذى يجعل شاب فى مقتبل العمر يغامر بأربع سنوات من عمره من أجل قضية لا يرى أنها تستحق المخاطرة أو التضحية !!.

لم يكن تساؤل والدى غريبا على شخصيته التى أعرفها ، وأحفظ خصائصها جيدا ، وهو نفسه الذى أتذكر كيف كان وجهه تعلوه خليط من ملامح الخوف والرعب والفزع وهو يقوم - بعصبية بالغة - بإحراق ورقة من جريدة يومية دخلت الى بيتنا كمغلف لبعض مشتريات السوق لمجرد أن صورة صديقه الراحل "يحيي مصطفى شحرور" وخبر الحكم بإعدامه على خلفية ادانته فى قضية تنظيم طلائع الفتح فى تسعينيات القرن الماضى تحتل مساحة منها !! .

كانت مخاوفه وهو يقوم بإحراق الصورة قد بلغت حدا هيستيريا ، فقد كان والدى يعتقد أنه من المحتمل أن تقتحم قوة من ضباط مباحث أمن الدولة شقتنا الصغيرة ويفتشونها جيدا ومن ثم يعثرون على تلك الوريقة التى كان والدى يعتقد جازما أنها قد تكون سببا فى القبض عليه وتعذيبه والتنكيل به ، ويجدر بالذكر هنا أن الراحل " يحيي شحرور" كان أحد من تركوا أثرا كبيرا فى والدى وساهم فى تغيير مجرى حياته تماما من النقيض إلى النقيض ، فهو الذى أقنعه بإطلاق لحيته والإلتزام بالمنهج السلفي وإلزام والدتى بإرتداء النقاب وغيرها من "الخيارات" المتشددة ، ورغم كل هذا لم يكن لديه أدنى إستعداد كى يدفع الثمن ذاته الذى دفعه هذا الرجل الذى ضحى بحياته من أجل ما يؤمن به ، بل تخلى عنه والرعب يمتلكه من أن يطاله مصير كمصيره معبرا عن ذالك بإحراق تلك الوريقة !!!.

فكرت وقتها أن شخصا مثله يتصرف بهذا القدر من الهلع لمجرد أنه يخشى أن يلحقه مصير طال صديقا له مؤمن بنفس ما يؤمن ويعتقد به لا أعتقد أنه قد يفهم معنى أن تحارب من أجل ما تؤمن به وتقدم ما تستطيع من أجله ، وكان من المنطقى جدا أن يأتى إلى فى السجن ويساومنى على موقفى معتقدا أن مسعاه المتمثل فى دفعى فى الإتجاه الذى يريده سيكلل بالنجاح ؛ مواقفه اللينة التى أشرت اليها قبلا جعلته عاجزا تماما عن أن يتخيل - مجرد تخيل - وجود من يتخذ موقفا صلبا داعما لما يعتقده ويراه صحيحا ويؤمن به ، ويتمسك به على الرغم من كل شىء .


وقبل ان يغادر الرجل متوعدا إياى بعدم زيارته لى مرة اخرى كرر أمامى تعبيره عن حسرته عن تلك السنوات الأربع التى ستضيع من عمرى داخل السجن ومكررا تساؤله عن جدوى أو هدف ذلك فى لهجة من لا يبدو أنه ينتظر إجابه ممن يخاطبه ، فأجبته بأن ما يحدث لى لا يساوى شيئا إن قورن بما بذله وضحى به آخرين من أجل ما يؤمنون به ، وذكرت فى السياق ذاته إسم مانديلا مقارنا سنواته الطويلة التى قضاها فى سجون نظام بلاده العنصرى السابق بالعدد الهزيل من السنوات التى حكم بها على ، غير متعمدا لأن أقارن نفسي به ، فلست أهلا لذالك بالطبع ، فقط كنت أحاول لفت نظره الى أن العالم لا يحتوى على جبناء فقط مثله ينفعلون و يمزقون ورقة هزيلة خشية أن ينكل بهم ، لكن ردى أثارة الى حد لم أستوعبه وجعله يصرخ في وجهى -بطريقة جعلت جميع من هم فى قاعة الزيارة من حراس وزوار ومسجونين يحولون أنظارهم نحونا - قائلا : "ملقتش غير الكافر ده تشبه نفسك بيه" !!!!


عندها أطلق الحارس صفارته معلنا عن انتهاء مدة الزيارة ، وليته ظهرى عائدا الى زنزانتى ، ولم أر وجهه مرة أخرى إلى أن غادرت السجن .