الثلاثاء، يناير 06، 2015

عن الحرية

لم يكف البشر منذ فجر التاريخ يوما عن التطلع الي حريتهم والنضال من أجلها والدفاع عنها فى وجه آخرين يحاولون سلبها لخدمة مصالحهم التى قد تتأثر فى وجود أفراد يشعرون من داخلهم بأنهم " أحرار" وأنه لا أحد يحق له أن يفكر مجرد تفكير فى انتزاع هذا الشعور من أعماقهم ، فضلا عن أن يتدخل ماديا ويقيد فكرهم وأجسادهم كخطوة لاحقة.
وعلى المستوى الشخصي أرى في الحرية قيمة تسمو على قيمة الحياة ذاتها ، وعمليا لم أشعر أننى فقدت حريتى يوما ما ، بالرغم من أننى قضيت سبع وعشرون عاما ونصف من بين ثلاثين عاما هى مجمل سنوات عمرى متنقلا بين سجون مختلفة ، وهنا تكمن المفارقة ، فكثيرون يتصورون الحرية قيمة مادية متعلقة بالجسد والحركة والتنقل والفعل والتأثير، وعندما يشير لها البعض فإنهم يعنون بها التخلص من القيود المادية المقيدة لحركة الجسد ، بينما على العكس من ذالك أرى الحرية شعورا داخليا يجعل الفرد قادرا على التحليق بفكره فى عوالم ليس لها حدود ، أعنى انه يفكر بحرية ويطرح التساؤلات دون تحفظات ولا يخشي ردود الفعل على نتائج تفكيره وتساؤلاته ، وهو الشعور الذى سيساعده فيما بعد على النضال للتخلص من القيود المادية المقيدة لحركة جسده إن وجدت ، هذا الشعور ينتاب الفرد تلقائيا عند ولادته ويستمر معه قبل ان يحاول والديه ومجتمعه ومدرسته ودوائر معارفه واصدقائه والمؤسسات الدينية والسلطة التى تحكم بلده ان تسيطر عليه وتدجنه .
تتميز الحرية بكونها قيمة لصيقة بالفرد لا يمنحها له أحد ، لكن المجتمع ونظائرة قد يحاولون سلب الشعور بها ، لكن هذا لا يعنى فى حال نجاحهم أن منحها أومنعها قد أصبح مرهونا بقرار منهم ، الفرد هو وحده من بيده قرار التخلى عن حريته أو التمسك بها ، بالطبع الضغط الشديد والعنف الزائد قد يدفع بالفرد الى الرضوخ وتقبل الإملاءات والتحول من " إنسان حر" إلى "عبد صالح" أو إلى "مواطن صالح" ، لكن ذالك لن يحدث قبل أن يخوض الفرد صراعا نفسيا داخله بين الشعور الفطرى بالحرية والرغبة فى تجنب الأذى المادى والإقصاء الاجتماعى ، وفى البداية لا يحسم الفرد قراره بالتخلى والرضوخ ، بل يبدأ بإيهام نفسه أنه لن يتخلى عن حريته ، فقط يبدى رضوخا غير حقيقي حتى يتجنب الاقصاء والعنف ، لكن الأمر يتطور مع مرور الوقت ، فالقبول الاجتماعى أمر يبدو مغريا للبعض ، وسلامة الجسد من التعرض للأذى والأيلام أمر يحرص عليه الكثيرين ، فى النهاية يعجز الفرد عن العودة الى نقطة بدايته ليتحول من " طفل حر" الى " شخص ناضج" او " إجتماعى" أو غيرها من التوصيفات الفارغة المضمون التى تطلقها التجمعات البشرية المختلفة على من ينخرطون تحت راياتها لتسهل احتوائهم وتدجينهم وتعظم فيهم رغبتهم فى الحفاظ على تلك الألقاب والتوصيفات على رغبتهم فى الشعور بكونهم "أفراد" " أحرار" .
بالطبع هذه التجمعات البشرية المختلفة لا تدعى خلال مراحل التدجين تلك ، أو حتى بعد اكتمالها أنها تسعى أو ترغب فى سلب وانتزاع الحرية من الأفراد المنتمين اليها ، بل على العكس من ذالك ، كثير من تلك التنظيمات والتجمعات تدعى انها تناضل من اجل حرية الافراد بل واحيانا تنظم بعضها الفعاليات والتظاهرات والمؤتمرات التى ترفع شعارات ترتبط بالحرية ، لكن كلكم يعلم أن الشعارات مجرد عبارات فارغة يطلقها البعض كى يشعر بالانتشاء والسعادة بعد أن يوهم نفسه أنه يقوم بعمل ايجابي نبيل !
كما أن كثيرا من هذه التجمعات والتنظيمات وأيضا الأفراد الذين يدعمون أهدافها بحسن نية ، تدعى ضمنا انها تخشى على افرادها من عواقب ما ان لم يضعوا قيودا على حريتهم ، وهى بذالك تساهم بشكل حسن او سىء النية (ليس هذا مهما طالما سنتوصل الى نفس النتيجة) فى خدمة التنظيمات الأكبر التى تتقوت وتتغذى على قمع حريات البشر وكبتها ، وقد يكون ادعائها هذا حقيقيا وقد تكون حقا صادقة صافية النية ، وقد يضار الفرد ماديا بالفعل ان لم يرضخ لما تطلبه منه هذه التجمعات ، لكنه على المدى الأبعد سيضار على مستويات أخرى أكبر وأعمق ، لتتسع الفجوة بينه كـ"شخص اجتماعى" و بين " الطفل الحر" الذى فى داخله وربما يجد نفسه فى النهاية مدفوعا الى قتل هذا الطفل ليعيش بقية عمره كمسخ مشوه يلوك عبارات غير مترابطة منطقيا كى يحافظ على مكانه ومكانته داخل السجن الحقيقي الذى اختار بمحض ارادته ان يصير نزيلا فيه.
الحرية "قيمة" مطلقة ، لا يمكن استيعابها ضمن أطر ، ولا يمكن الجمع بينها وبين "القيود" و " الضوابط" أو "المعايير" فى جملة منطقية ، لكنها أيضا "كلمة" براقة وجذابة ، حتى أشد النظم الديكتاتورية قمعا وقهرا وظلما وتشددا لم تستطع أن تتجنب تضمينها ضمن برامجها السياسية ومنشوراتها الحزبية حتى لا تخسر قطاعا عريضا من المؤيدين الذين تسكرهم هذه الكلمة وتداعب أحلامهم ، حتى وإن كانت ممارساتهم اليومية وتعاملاتهم مع الآخرين منقطعة الصلة بجوهر القيمة التى تعبر عنها تلك الكلمة ، وحتى الأديان ، تلك النظم الإجتماعية الأشد فى خطورتها على حرية البشر، والتى وضعها بعض النافذين من اصحاب المصالح للسيطرة على فكرهم وعقولهم كطريق يؤدى حتما الى التحكم فى كل ما يخصهم ، لم تتجاهل "الحرية" بل ضمنتها بين تعاليمها ونصوصها التى تعاملت معها بإعتبارها "منحة" من "الإله" لـ"عبيده" كى يختبر طاعتهم وخضوعهم وهو الأمر الذى ينتج عنه فى النهاية مكافأتهم أو عقابهم !!.
قيمة "الحرية" تصبح محل تهديد عندما يتم قمع العقل والسعى لتقييده ومنعه من التفكير، وهذا القمع يصبح ناجعا وذو أثر فعال عندما يتم توجيهه الى الأطفال فى سن مبكرة .
يولد الأطفال "أحرارا" ، ينمو عقلهم بالتزامن مع نموهم الجسدى ، ويبدأون فى استخدام عقلهم فى التفكير وجسدهم فى اللعب ، وأحيانا يمزجون بينهما !!
يمتاز الأطفال بالفضول والرغبة فى المعرفة ، تساؤلاتهم كثيرة لكنها محرجة !
الأطفال لا يتعمدون إحراج الكبار المدجنين بتساؤلاتهم الفضولية الطفولية التلقائية ، هم فقط يرغبون فى المعرفة ، لكن المعرفة ليست دائما أمرا جذابا ومبهجا وحيويا ، بل هى أيضا لدى هؤلاء الكبار المدجنين إجتماعيا أمرا مزعجا كونها قد تهدد مكانتهم الإجتماعية المكتسبة ، وعندها يصبح الأطفال مزعجين ويصبح تدجينهم ضرورة ملحة لدى هؤلاء الكبار كممثلين عن كيانات أكبر وأعضاءا فاعلين فيها.
عندها يبدأ تقديم الأطفال الى أشياء كـ"الدين" و "العرف" و "التقاليد" و أحيانا الى شىء يسمونه "القانون" جنبا الى جنب مع حزم من الأخلاقيات النسبية ، ويتم ربط الأمر بدرجات من الإثابة والعقاب والزجر والتهديد، تبدأ تلك العملية فى سجن المنزل ، قبل أن يتم ايداع الطفل فى سجون أخري يطلقون على أحدها مسمى "المدرسة " وهى التى فى أحيان كثيرة وفى بلدان مختلفة يبذل القائمون عليها كل ما بوسعهم للقضاء على البقية الباقية من شخصية الطفل الحرة المستقلة ، ليتخرج فى النهاية " مواطنا صالحا" او بعبارة أخرى " خاضعا" " مطيعا " "مدجنا" "مرنا" ، قابلا للطى والفرد!!
الحرية تبدأ فى مرحلة الطفولة ، وتنتهى غالبا عندها ، فإن اردتم حقا تفعيل تلك القيمة وتقويتها فارفعوا أيديكم عن عقول الأطفال ودعوهم يكتشفون العالم بأنفسهم دون أدنى تدخل منكم .