الأربعاء، يناير 07، 2015

عن ناجى شحاتة وأزمة العدالة فى مصر

قبل ثمان سنوات وعدة أشهر ، وتحديدا فى خريف عام 2006 ، تواصل معى عبر الانترنت شخص عرفنى بنفسه كمراسل صحفى كندى من أصول مصرية يعمل كمراسل لإحدى الصحف الأمريكية ، أخبرنى فى البداية عن طبيعة عمله وعن تغطيته للحرب فى العراق في أيامها الأولى وعن كتابه الذى وصف فيه تجربته بهذا الشأن قبل أن يخبرنى أنه بصدد اعداد كتاب مطبوع يتناول قصص المدونين الذين تعرضوا للسجن فى بعض البلدان بسبب نشاطهم على شبكة الانترنت متسائلا عما اذا كنت أرغب فى أن أكون أحد هذه الشخصيات التى يتناولها مشروع الكتاب باعتبارى أول مدون مصري يتعرض للإعتقال بسبب كتاباته وقتها.
أعربت له عن ترحيبى بالفكرة ورغبتى فى مساعدته ، فأرسل لى عددا من الاسئلة ، أجبت عن بعضها إجابات مطولة ، لكنه فضل أن يلتقينى شخصيا ، واتفقنا على اللقاء فى أحد أيام نهاية شهر أكتوبر عام 2006 ، كان مقيما وقتها على حسب ما أخبرنى بدولة الإمارات العربية المتحدة ، وسافر الى الاسكندرية ليوم واحد فقط والتقيته بفندق شيراتون بجوار حدائق قصر المنتزة بمدينة الإسكندرية حيث كان يقيم.
قضينا ساعات طويلة فى حديث متواصل سجله على جهاز الكاسيت تطرق الى كتاباتى وتجربة اعتقالى واستجوابي ثم التحقيق معى بالجامعة وفصلى منها ، وبعد أن إنتهينا وفى المساء دعانى لتناول طعام الغذاء مع خطيبته وقتها بأحد مطاعم الأسماك بمنطقة بحري بالاسكندرية ، قام بعد ذالك بتوصيلي الى قرب منزلي قبل أن أودعه. 
لم نلتق بعد ذالك أبدا لكن تواصلنا إستمرخلال الأيام العشرة التى تلت لقائنا قبل أن يقطعه حبسي بقرار من النيابة العامة بتهمتى إزدراء وتحقير الدين الإسلامى وإهانة رئيس الجمهورية وقتها فى السادس من شهر نوفمبر عام 2006 ، وهى القضية التى صدر ضدى حكم بها بينما كنت محبوسا على ذمتها بالسجن أربع سنوات قضيتها كاملة .
لأسباب أجهلها لم يجد مشروع الكتاب الذى تحمس له هذا الصحفي وتحمست له طريقه الى النور ، لكنه وثق لقائى به فى مقال مطول نشرته الحملة التى تأسست على شبكة الإنترنت عقب صدور قرار حبسي للعمل على والمطالبة بإطلاق سراحى.
فى هذا التوقيت لم يكن إسم هذا المراسل الصحفي معروفا على نطاق واسع ، لكنه صار الآن ومتداولا على نطاق دولى بعد الحكم الذى صدر بحقه وحق صحفيين مصريين آخرين بتهم تتعلق بعملهم الصحفي خلال الفترة التى أعقبت سقوط حكم الإخوان المسلمين فى مصر عقب مظاهرات حاشدة دفعت القوات المسلحة الى اتخاذ خطوات فى اتجاه الإطاحة بحكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي العياط ، إنه الصحفي محمد فاضل فهمى مدير مكتب قناة الجزيرة بالقاهرة.
بعد أن أفرجت السلطات المصرية عنى مع نهاية عام 2010 ، تجدد تواصلى مع فهمى عن طريق الهاتف والبريد الإلكترونى وتويتر ، وأذكر انه تواصل معى قبل يوم من جمعة الغضب بينما كنت بالإسكندرية ، كانت تظاهرة قد دعا اليها ناشطين انطلقت فى المساء من أمام مركز الابداع بوسط المدينة فى اتجاه محطة الرمل ، تابعت التظاهرة حتى وصلت الى شارع سعد زغلول الذى ظهرت على مشارفه عدد من مدرعات الأمن المركزي ، وفى لحظات اندلع دخان من اسفل سيارة كانت تنتظر امام احد المحلات الكائنة بهذا الشارع ، شعرت أن مواجهة وشيكة الحدوث بين المتظاهرين وقوات الأمن وقررت أن أنصرف ، وفى طريق عودتى هاتفته وأخبرته عما حدث ، فى المقابل أخبرنى أنه سيشارك فى التظاهرات التى ستندلع فى اليوم التالى من أمام الجامع الأزهر بالقاهرة.
بعدها بأيام عدت الى القاهرة ، حاولت التوجه إلى ميدان التحرير لكن توابع موقعة الجمل لم تكن قد إنتهت بعد ، كانت مجموعات من البلطجية تحاصر الميدان من أكثر من اتجاه وتمنع المتظاهرين من التوجه اليه.
هاتفته وسألته عن ما اذا كانت هناك اى امكانية للدخول الى الميدان ، فطلب منى أن أحاول الدخول من جهة شارع محمد محمود ، توجهت الى هناك ، كانت مجموعات من الثوار قد تمكنت من تطهير المنطقة من البلطجية ووضعت حواجز ونقاط تفتيش لمنع دخول الأسلحة ورجال الأمن ، فحص أحدهم بطاقتى الشخصية وفتشنى ذاتيا وسمح لى بالمرور ، قبل أن يتكرر مع الأمر مع نقاط تفتيش تالية حتى وصلت الى قلب ميدان التحرير مساء الرابع من فبراير عام 2011 للمرة الأولى منذ إندلاع الإحتجاجات المطالبة بالإطاحة بالرئيس الأسبق ، أنستنى زحمة الميدان ولقائى مع عدد من الأصدقاء صديقي فهمى ، فلم أتمكن من لقائه.
بعدها بيومين اعتقلتنى الشرطة العسكرية وأفرجت عنى قبل يوم من تنحى مبارك ، وتتابعت الأحداث وانشغل كل بما يفعله ، وقل تواصلنا ، حتى يوم تلقيت فيه منه إتصالا هاتفيا فى نهاية نوفمبر عام 2011 ، كنت وقتها برفقة صديقتى السابقة علياء المهدى نختبيء بشقة صديقة لنا كائنة على أطراف مدينة الإسكندرية هربا من ملاحقة إجتماعية وقضائية عقب نشرها صورة عارية على مدونتها الإلكترونية ، سألنى عما إذا كان بإمكانه إجراء حديث معها لصالح موقع سى إن إن ، أوصلته بها ووافقت على إجراء الحوار الذى نشر لاحقا على موقع سى ان ان وساهم نسبيا فى تعريف القارىء الغربي بعلياء ونشاطها الإلكترونى.
غادرت مصر بعدها بفترة قصيرة متوجها الى بولندا بموجب منحة للكتاب قبل أن يستقر بي المقام نهائيا بالنرويج ، وانقطع بعدها تواصلنا ولم أتابع أخباره الا قليلا.
بعد أن أطاحت التظاهرات الشعبية التى إنحاز لها الجيش المصري بالرئيس المصري السابق محمد مرسي من سدة الرئاسة ، وعقب موجة إعتقالات طالت كثيرين ممن كانت له علاقة قريبة أو بعيدة بالنظام السابق من جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم الذين تمسكوا بدعم مرسي عقب الإطاحة به ، ورد خبر مقتضب عن قيام السلطات المصرية بإعتقال عدد من الصحفيين الأجانب والمصريين بتهم تتعلق بدعم جماعة الإخوان المسلمين وهى القضية التى عرفت إعلاميا بقضية خلية فندق الماريوت.
مر الخبر على كأخبار كثيرة متشابهة ولم أقرأ الأسماء التى وردت به ولم اتوقف كثيرا عنده ، فالأحداث على الساحة المصرية كانت أكثر إزدحاما من التوقف عند هكذا خبر.
لكن بعد إحالة الصحفيين المتهمين الى المحاكمة الجنائية ، كنت أشاهد تقريرا عن القضية فى نشرة الأخبار الصباحية بقناة البي بي سى الإخبارية ، إستوقفتنى صورة صديقي "فهمى" التى ظهرت على الشاشة ، وأدركت حينها أنه أحد المتهمين المحالين الى المحاكمة فى هذه القضية ، بدأت أتابع الجلسات اللاحقة وتطورات القضية ، وطلبت من صديق لى يعمل مراسلا لإحدى وكالات الأنباء الأجنبية فى مصر إبلاغ فهمى تحياتى وسلامى ، وطلبت ذالك من شقيقه الذى يدير حاليا حسابه على موقع تويتر.
فى الثالث والعشرين من شهر مايو ، وبعد أن تم تداول القضية خلال عدد من الجلسات ، أصدرت محكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار محمد ناجى شحاتة وعضوية المستشارين جمال مصطفى وإيهاب المنوفى حكما بمعاقبة عدد من الصحفيين من بينهم محمد فاضل فهمى بالسجن سبع سنوات بتهمة بث أخبار كاذبة والإنضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون وإمدادها بمعونات مادية ومعنوية وحيازة أجهزة بث وتصوير دون تصريح من الجهات المختصة ، طبقا لمنطوق الحكم.

قبل أسابيع تداول بعض النشطاء المصريين حسابا يحمل إسم المستشار محمد ناجى شحاتة ، رئيس المحكمة التى أصدرت الحكم السابق على "فهمى" وزملاءه على موقع فيس بوك ، كان الحساب يتضمن صورا شخصية له مع تعليقات تركها أشخاص يفترض أنهم ينتمون إلى عائلته منهم إبنه الذي يعمل كقاض بمحكمة جنوب القاهرة.
طالعت الحساب بنفسي ، وبدا لى أنه حقيقي ، فالحساب قد تأسس قبل أن يصبح القاض المذكور ذائع الصيت ومثيرا للجدل بين مؤيدى ومعارضى سياسات الحكومة الجديدة وجهازها القضائى وأحكامه التى تحولت إلى مادة إعلامية يختلف ويتفق حولها الكثيرين، تضمن الحساب بجانب الصور الشخصية عبارات دونها صاحبه توقفت كثيرا عندها ، فبالرغم من أن القضاة فى مصر محظور عليهم العمل فى السياسة وابداء اراء فى القضايا المنظورة أمامهم غير أنه بدا لى أن المستشار ناجى شحاته لديه رأى ، بل وسلوك آخر مختلف.
فبتاريخ 20 أغسطس 2013 ، كتب المستشار ناجى شحاتة على حسابه بموقع فيس بوك : " بأى حق يصرح المدعو زياد بهاء الدين (نائب رئيس الحكومة وقتها) إلى إنهاء حالة الطوارىء ؟ هل هو بداية لإسترضاء ماما أمريكا ؟ "
وبعد ذالك بثلاثة أيام ترك المستشار المذكور العبارة التالية : " ابدا لن يسامح الشعب عملاء أمريكا الخونة أمثال زياد بهاء الدين وحمزاوى ( يقصد الكاتب والمفكر واستاذ الجامعة الليبرالى عمرو حمزاوى) وحسن نافعة (سياسي مصري واستاذ للعلوم السياسسية) والقرموطى ( الإعلامى المصري جابر القرموطى) والبرادعى ( السياسي المصري ونائب رئيس الجمهورية الأسبق والرئيس الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والحائز على جائزة نوبل للسلام الدكتور محمد البراداعى) "
وفى نفس اليوم ، 23 اغسطس ، كتب ما يلي : " 6 ابليس ( يقصد حركة شباب السادس من ابريل) وامثال أسماء محفوظ وإسراء عبدالفتاح وأحمد ماهر (ناشطين سياسيين مصريين) مصيرهم مزبلة التاريخ "
فى الخامس عشر من شهر ديسمبر عام 2013 ، وبينما كانت دائرتة تنظر عددا من القضايا المتهم فيها أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين كتب ناجى شحاته على حسابه الشخصي بموقع فيس بوك ما يلى : "لا مصالحة مع عصبة الشر ذوى اللحى التى تخفى وراءها القتلة والهاربين من السجون والجواسيس وكفى نفاقا يا من تتمسحون فى الشرعية"
بعدها بيومين لم ينقطع عن التعبير عن آرائه فى الأوضاع السياسية بشكل يبدو معه منحازا لطرف على حساب آخر مما يطعن فى مصداقيته كقاض ينظر قضايا لأشخاص محسوبين على الطرف الآخر ، فكتب القاض المذكور منتقدا ما رأى فيه تقاعسا من الحكومة الانتقالية عن التعامل بجدية مع جماعة الإخوان المسلمين قائلا : " هل ما زلت تفكر يا ببلاوى ( يقصد الدكتور حازم الببلاوى رئيس مجلس الوزراء المصرى وقتها) وتابعك قفه المدعو زياد بهاء الدين (نائب رئيس الوزراء وقتها) فى اعتبار الاخوان المجرمين جماعة ارهابية !!!! يا اخى اصبتنا بالغثيان والقرف"
استمر القاضى ناجى شحاته على ذات المنوال متابعا نشر آراء سياسية محظور عليه ابدائها بموجب عمله كقاض ينظر فى قضايا أطرافها جزء من صراع سياسي دائر ، فقبل يومين من أعياد ميلاد عام 2013 انتقد رئيس الحكومة وكتب : " الببلاوى يرفض اعتبارهم جماعة ارهابية. لصالح من تعمل أيها العجوز الخرف؟؟؟؟"
وقبل ثلاثة أيام من حلول عام 2014 كتب القاضى ناجى شحاته آخر منشوراته العامة على حسابه فى موقع فيس بوك قائلا : " انى فى حيرة شديدة الم يعلن مجلس الوزراء ان الاخوان الخرفان جماعة ارهابية؟؟ ورغم قيام بعض الشباب المجرمين باشعال النار واطلاق الخرطوش على الشرطه الا ان تعليمات الببلاوى وتابعه قفه زياد بهاء الدين من امريكا هى عدم التصدى للمجرمين بدعوى حقوق الانسان!!!! عجبي "
توقفت عند هذه العبارات التى هى كفيلة بالاطاحة به من فوق منصة القضاء لمخالفته ابسط القواعد التى تحكم عمل الجهاز القضائى فى مصر ، بينما توقف ناشطون مصريون آخرون ينتمى بعضهم لجماعة الإخوان المسلمين أمام إعجاب المستشار المذكور ببعض الصفحات الاباحية الجنسية ، لكن يبدو أن المستشار ناجى شحاته قد تنبه للأمر بعد ساعات من تداول الناشطون لحسابه ، فحجبه لبعض الوقت قام خلاله بحذف اعجاباته بالصفحات الإباحية الجنسية ، قبل أن يعود مرة أخرى مع الاحتفاظ بالكتابات التى تضمنت آراءا سياسية ، لكنه بعد وقت قصير قرر حجب حسابه مرة أخرى.
بعد يومين من هذه الفضيحة القضائية السياسية ، كان الناشط السياسى المصري "أحمد دومة" المحبوس حاليا بتهمة المشاركة فى تظاهرة بدون تصريح مسبق طبقا للقانون الجديد الذى ينظم التظاهر ، يمثل أمام الدائرة القضائية التى يرأسها المستشار ناجى شحاته ، ويبدو أن الأنباء عن حساب ناجى شحاته على موقع فيس بوك قد بلغته قبل ان يصل الى مقر انعقاد المحكمة ، وحسب زوجة الناشط "أحمد دومة" ، الصحفية "نورهان حفظى" التى شهدت جلسة محاكمته ، فقد دار بينه وبين القاضى الحوار التالى :
"أحمد دومة :انا لا اثق بعدالة المحكمة لسببين الاول ان حضرتك صرحت اكثر من مرة علي هذه المنصة بعدائك للثورة والمنتمين لها وانا منهم،،والثاني محتاج اسال قبله سؤال لاني مش متاكد من مصدره 
المستشار ناجى شحاتة : اتفضل اسال
أحمد دومة: صحيح حضرتك عندك حساب علي فيس بوك
المستشار ناجى شحاتة : وانت مالك ومال كده
أحمد دومة : لانه نسب لحضرتك حساب علي فيس بوك به اراء صريحة معادية للثورة والمنتمين ليها وصفتنا فيها بالعملاء والخونة والثورة بالنكسة ولو ثبت انتسابه لحضرتك فعلا فده بياكد خصومة واضحة بنتي وبين هيئة المحكمة تاكد عدم وثوقي بعدالة المحكمة
المستشار ناجى شحاتة : الفيس بوك ده بتاعك انت وامثالك
أحمد دومة : الفيس بوك مش حاجة وحشة ولا عيب بالعكس ده ساعدنا نسقط رئيسين مجرمين مبارك ومرسي"
(المصدر:حساب نورهان حفظى زوجة أحمد دومة على موقع فيس بوك  )


أعتبر المستشار" ناجى شحاتة" سؤال "دومة" له عن صحة واقعة امتلاكه لحساب على موقع فيس بوك تضمن عدد من الاراء السياسية بمثابة توجيه إهانة لهيئة المحكمة التى قضت بمعاقبته بالحبس ثلاث سنوات بتهمة توجيه الإهانة لها ، مع إستمرار حبسة على ذمة القضية الأصلية التى تم تأجيل جلستها الى موعد لاحق .
لاحقا أجرت صحيفة "الوطن" المصرية حوارا مع المستشار "ناجى شحاتة" نفي فيه إمتلاكه لصفحات على فيس بوك ملقيا اللوم والمسؤولية عن الحساب المتداول والذى يحمل اسمه على ما وصفه بـ"جهات غير معلومة" تحاول تشويه سمعته كى يتنحى عن نظر قضايا جماعة الإخوان المسلمين ، موضحا أنه عاقب الناشط "أحمد دومة" مستخدما حقه القانونى لأنه اعتبر عبارته " الفيس بوك اوقع الكثير من المجرمين ووضعهم تحت طائلة العقاب " بمثابة تعد عليه بالسب ، مضيفا أنه لا يعمل بالسياسة وإن كان يميل كمواطن إلى جانب الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي".
صور مأخوذة من حساب المستشار ناجى شحاته قبل اغلاقه :













الثلاثاء، يناير 06، 2015

عن الحرية

لم يكف البشر منذ فجر التاريخ يوما عن التطلع الي حريتهم والنضال من أجلها والدفاع عنها فى وجه آخرين يحاولون سلبها لخدمة مصالحهم التى قد تتأثر فى وجود أفراد يشعرون من داخلهم بأنهم " أحرار" وأنه لا أحد يحق له أن يفكر مجرد تفكير فى انتزاع هذا الشعور من أعماقهم ، فضلا عن أن يتدخل ماديا ويقيد فكرهم وأجسادهم كخطوة لاحقة.
وعلى المستوى الشخصي أرى في الحرية قيمة تسمو على قيمة الحياة ذاتها ، وعمليا لم أشعر أننى فقدت حريتى يوما ما ، بالرغم من أننى قضيت سبع وعشرون عاما ونصف من بين ثلاثين عاما هى مجمل سنوات عمرى متنقلا بين سجون مختلفة ، وهنا تكمن المفارقة ، فكثيرون يتصورون الحرية قيمة مادية متعلقة بالجسد والحركة والتنقل والفعل والتأثير، وعندما يشير لها البعض فإنهم يعنون بها التخلص من القيود المادية المقيدة لحركة الجسد ، بينما على العكس من ذالك أرى الحرية شعورا داخليا يجعل الفرد قادرا على التحليق بفكره فى عوالم ليس لها حدود ، أعنى انه يفكر بحرية ويطرح التساؤلات دون تحفظات ولا يخشي ردود الفعل على نتائج تفكيره وتساؤلاته ، وهو الشعور الذى سيساعده فيما بعد على النضال للتخلص من القيود المادية المقيدة لحركة جسده إن وجدت ، هذا الشعور ينتاب الفرد تلقائيا عند ولادته ويستمر معه قبل ان يحاول والديه ومجتمعه ومدرسته ودوائر معارفه واصدقائه والمؤسسات الدينية والسلطة التى تحكم بلده ان تسيطر عليه وتدجنه .
تتميز الحرية بكونها قيمة لصيقة بالفرد لا يمنحها له أحد ، لكن المجتمع ونظائرة قد يحاولون سلب الشعور بها ، لكن هذا لا يعنى فى حال نجاحهم أن منحها أومنعها قد أصبح مرهونا بقرار منهم ، الفرد هو وحده من بيده قرار التخلى عن حريته أو التمسك بها ، بالطبع الضغط الشديد والعنف الزائد قد يدفع بالفرد الى الرضوخ وتقبل الإملاءات والتحول من " إنسان حر" إلى "عبد صالح" أو إلى "مواطن صالح" ، لكن ذالك لن يحدث قبل أن يخوض الفرد صراعا نفسيا داخله بين الشعور الفطرى بالحرية والرغبة فى تجنب الأذى المادى والإقصاء الاجتماعى ، وفى البداية لا يحسم الفرد قراره بالتخلى والرضوخ ، بل يبدأ بإيهام نفسه أنه لن يتخلى عن حريته ، فقط يبدى رضوخا غير حقيقي حتى يتجنب الاقصاء والعنف ، لكن الأمر يتطور مع مرور الوقت ، فالقبول الاجتماعى أمر يبدو مغريا للبعض ، وسلامة الجسد من التعرض للأذى والأيلام أمر يحرص عليه الكثيرين ، فى النهاية يعجز الفرد عن العودة الى نقطة بدايته ليتحول من " طفل حر" الى " شخص ناضج" او " إجتماعى" أو غيرها من التوصيفات الفارغة المضمون التى تطلقها التجمعات البشرية المختلفة على من ينخرطون تحت راياتها لتسهل احتوائهم وتدجينهم وتعظم فيهم رغبتهم فى الحفاظ على تلك الألقاب والتوصيفات على رغبتهم فى الشعور بكونهم "أفراد" " أحرار" .
بالطبع هذه التجمعات البشرية المختلفة لا تدعى خلال مراحل التدجين تلك ، أو حتى بعد اكتمالها أنها تسعى أو ترغب فى سلب وانتزاع الحرية من الأفراد المنتمين اليها ، بل على العكس من ذالك ، كثير من تلك التنظيمات والتجمعات تدعى انها تناضل من اجل حرية الافراد بل واحيانا تنظم بعضها الفعاليات والتظاهرات والمؤتمرات التى ترفع شعارات ترتبط بالحرية ، لكن كلكم يعلم أن الشعارات مجرد عبارات فارغة يطلقها البعض كى يشعر بالانتشاء والسعادة بعد أن يوهم نفسه أنه يقوم بعمل ايجابي نبيل !
كما أن كثيرا من هذه التجمعات والتنظيمات وأيضا الأفراد الذين يدعمون أهدافها بحسن نية ، تدعى ضمنا انها تخشى على افرادها من عواقب ما ان لم يضعوا قيودا على حريتهم ، وهى بذالك تساهم بشكل حسن او سىء النية (ليس هذا مهما طالما سنتوصل الى نفس النتيجة) فى خدمة التنظيمات الأكبر التى تتقوت وتتغذى على قمع حريات البشر وكبتها ، وقد يكون ادعائها هذا حقيقيا وقد تكون حقا صادقة صافية النية ، وقد يضار الفرد ماديا بالفعل ان لم يرضخ لما تطلبه منه هذه التجمعات ، لكنه على المدى الأبعد سيضار على مستويات أخرى أكبر وأعمق ، لتتسع الفجوة بينه كـ"شخص اجتماعى" و بين " الطفل الحر" الذى فى داخله وربما يجد نفسه فى النهاية مدفوعا الى قتل هذا الطفل ليعيش بقية عمره كمسخ مشوه يلوك عبارات غير مترابطة منطقيا كى يحافظ على مكانه ومكانته داخل السجن الحقيقي الذى اختار بمحض ارادته ان يصير نزيلا فيه.
الحرية "قيمة" مطلقة ، لا يمكن استيعابها ضمن أطر ، ولا يمكن الجمع بينها وبين "القيود" و " الضوابط" أو "المعايير" فى جملة منطقية ، لكنها أيضا "كلمة" براقة وجذابة ، حتى أشد النظم الديكتاتورية قمعا وقهرا وظلما وتشددا لم تستطع أن تتجنب تضمينها ضمن برامجها السياسية ومنشوراتها الحزبية حتى لا تخسر قطاعا عريضا من المؤيدين الذين تسكرهم هذه الكلمة وتداعب أحلامهم ، حتى وإن كانت ممارساتهم اليومية وتعاملاتهم مع الآخرين منقطعة الصلة بجوهر القيمة التى تعبر عنها تلك الكلمة ، وحتى الأديان ، تلك النظم الإجتماعية الأشد فى خطورتها على حرية البشر، والتى وضعها بعض النافذين من اصحاب المصالح للسيطرة على فكرهم وعقولهم كطريق يؤدى حتما الى التحكم فى كل ما يخصهم ، لم تتجاهل "الحرية" بل ضمنتها بين تعاليمها ونصوصها التى تعاملت معها بإعتبارها "منحة" من "الإله" لـ"عبيده" كى يختبر طاعتهم وخضوعهم وهو الأمر الذى ينتج عنه فى النهاية مكافأتهم أو عقابهم !!.
قيمة "الحرية" تصبح محل تهديد عندما يتم قمع العقل والسعى لتقييده ومنعه من التفكير، وهذا القمع يصبح ناجعا وذو أثر فعال عندما يتم توجيهه الى الأطفال فى سن مبكرة .
يولد الأطفال "أحرارا" ، ينمو عقلهم بالتزامن مع نموهم الجسدى ، ويبدأون فى استخدام عقلهم فى التفكير وجسدهم فى اللعب ، وأحيانا يمزجون بينهما !!
يمتاز الأطفال بالفضول والرغبة فى المعرفة ، تساؤلاتهم كثيرة لكنها محرجة !
الأطفال لا يتعمدون إحراج الكبار المدجنين بتساؤلاتهم الفضولية الطفولية التلقائية ، هم فقط يرغبون فى المعرفة ، لكن المعرفة ليست دائما أمرا جذابا ومبهجا وحيويا ، بل هى أيضا لدى هؤلاء الكبار المدجنين إجتماعيا أمرا مزعجا كونها قد تهدد مكانتهم الإجتماعية المكتسبة ، وعندها يصبح الأطفال مزعجين ويصبح تدجينهم ضرورة ملحة لدى هؤلاء الكبار كممثلين عن كيانات أكبر وأعضاءا فاعلين فيها.
عندها يبدأ تقديم الأطفال الى أشياء كـ"الدين" و "العرف" و "التقاليد" و أحيانا الى شىء يسمونه "القانون" جنبا الى جنب مع حزم من الأخلاقيات النسبية ، ويتم ربط الأمر بدرجات من الإثابة والعقاب والزجر والتهديد، تبدأ تلك العملية فى سجن المنزل ، قبل أن يتم ايداع الطفل فى سجون أخري يطلقون على أحدها مسمى "المدرسة " وهى التى فى أحيان كثيرة وفى بلدان مختلفة يبذل القائمون عليها كل ما بوسعهم للقضاء على البقية الباقية من شخصية الطفل الحرة المستقلة ، ليتخرج فى النهاية " مواطنا صالحا" او بعبارة أخرى " خاضعا" " مطيعا " "مدجنا" "مرنا" ، قابلا للطى والفرد!!
الحرية تبدأ فى مرحلة الطفولة ، وتنتهى غالبا عندها ، فإن اردتم حقا تفعيل تلك القيمة وتقويتها فارفعوا أيديكم عن عقول الأطفال ودعوهم يكتشفون العالم بأنفسهم دون أدنى تدخل منكم .