الأحد، يناير 10، 2016

في مديح الوحدة

المجتمعات سجون كبيرة ، غرضها الأساسي هو تجريدنا من كل ما يميزنا كأفراد ويجعلنا متفردين. جميع التجمعات البشرية بلا استثناء تحمل ذات الهدف وهو تجريد البشر من حريتهم وتحويلهم إلى كائنات لا تستطيع العيش بمفردها دون حاجة للآخرين ، نحن بطبيعتنا كائنات غير إجتماعية ، قدرتنا على العيش فى أصعب الظروف والتكيف معها عالية ، نستطيع كأفراد أن نفعل كل شىء بمفردنا دون الحاجة إلى أحد ، لكن هذا بالطبع لم يوافق هوى البعض الراغبين فى تقييد حرية البشر وتحويلهم من كائنات مستقلة إلى كائنات متطفلة تدمن على الأشياء والأشخاص لتحقيق منافع مادية وسلطوية ، وأدى ذالك الى ما نراه الآن من حولنا ؛ أفراد بالغين لا يستطيعون الحياة دون إعتماد مادى أو معنوى على وجود آخرين من حولهم ، هؤلاء الآخرين دون أن يدروا هم جزء من تلك المنظومة السلطوية القذرة.
البشر لديهم إحتياجات أساسية فى غاية البساطة ، هذه الإحتياجات هى الغذاء والماء والحماية من تقلبات الطبيعة ، هذه الإحتياجات تلبيتها فى الظروف الطبيعية ليست بالأمر الصعب ، فالغذاء متوفر فى الطبيعة على غصون الأشجار والماء أيضا ، والبشر الأوائل صنعوا ملابسهم من أوراق الشجر واتخذوا الكهوف مأوى لهم ، أتت المجتمعات بإحتياجات جديدة فى ظاهرها جيدة وفي باطنها خبيثة ، فتم الإدعاء بأن تكاثر النوع البشرى من الإحتياجات الغريزية وأن البشر فى أمس الحاجة لزيادة أعدادهم وممارسة الجنس لتحقيق هذا الغرض. كان الجنس فى البداية مجرد فعل غريزى يمارسه الافراد بغرض زيادة أعدادهم والحفاظ على تماسك بنية مجتمعهم وأستمراريته ، لكنه تم تحويله بعد ذالك لغرض خبيث من ضرورة إلى حاجة ، ولدى البشر خصلة سيئة ، هى أنه بالإمكان تعويدهم على الأشياء لدرجة حبها وإدمانها والشعور بالنقص حال عدم توافرها ، وأعطى هذا الأمر المجتمعات وبعض الأفراد السيئين أيضا فرصة لا تتكرر كى يتحكمون فى الأفراد عن طريق هذا الإدمان الذى لم يكن أصلا ضمن الإحتياجات الأساسية التى تستمر بها حياة الفرد ، الحاجة الى الجنس والحاجة الى العيش مع شريك أو أسرة ، وعندما يتم التحكم فى تلك الحاجة التى بحكم إدمان الفرد لها أصبحت أساسية فى حياته أصبح التحكم فى كل مناحى حياته والضغط عليه من خلالها وتقييدها أمرا فى متناول اليد.
من الإحتياجات التى خلقتها المجتمعات وإستغلتها الإستغلال الأسوأ هى الحاجة للمخدرات والمسكرات  ، ربما تناول الإنسان الأول قبل ظهور المجتمعات بعض الثمار التى تحتوى على مواد مخدرة أو طعاما متخمرا وشعر ببعض النشوة جراء ذالك ، وأحب هذا الشعور وعمد إلى تناول المزيد من هذه الثمار او صنع طعام متخمر بهدف تكرار هذا الشعور ، ربما كان تناول هذه الثمار المخدرة او الطعام المتخمر بكميات كبيرة مضرا بصحته ومعجلا بنهايته ، لكن تأثير ذالك لم يكن يتعداه هو شخصيا ، لكن المجتمعات إستغلت هذا الأمر أسوأ إستغلال ، فقيدت إستخدام هذه المواد أو منعتها ، ليس خوفا على صحة أفرادها كما تزعم ، وليس خوفا على الأفراد الآخرين من أن يلحقهم أذى من شخص تناول تلك المواد ، لكن الغرض كان التحكم فى احدى الحاجات التى لم تكن أساسية وأصبحت أساسية بحكم التعود.
وهناك أمثلة كثيرة يمكن القياس عليها فى كل شىء يقوم به الفرد المدجن فى حياته اليوميه .....
أنا هنا لا أتحدث عن شرق أو غرب ، أو مجتمعات بدائية متخلفة او حضارية متقدمة (طبقا لمعايير ما) ، لكنى أتحدث بشكل عام عن كل المجتمعات البشرية من وقت أن تم فصل الإنسان عن نفسه وتجريده من هويته وتحويله إلى مجرد فرد فى قطيع حتى  الآن ، فجميع المجتمعات لها نفس الغرض وهو تقييد حرية الإنسان وتحويله إلى كائن تابع لا يملك من أمر نفسه شيئا ، فى المجتمعات المتخلفة يتم ذالك بشكل فج لا يخجل من التصريح بذالك ، بينما فى المجتمعات الحضارية المتقدمة يتم تحقيق ذالك بأساليب تبدو براقة وجذابة وفي أعلى خلفية المشهد شعارات مثل الحرية والمساواة والكرامة ترفرف عاليا بينما لا شيء من هذا له وجود على أرض الواقع، لكن يبقي للمجتمعات الغربية أنها تجيد التسويق لنفسها وفي عالمنا المعاصر يمكنك أن تجد إبتسامة عريضة على وجوه الناس وترحيب بك وإشادة بما تفعله طالما تجيد تسويق بضاعتك حتى وإن كانت مجرد خراء أفرغته أمعاءك للتو أمامهم !