الجمعة، فبراير 19، 2016

عن المدونات و فيس بوك والآلهة الجديدة

أشياء كثيرة تلهينا وتصرفنا عن فعل ما نحب ونرغب ونشعر بالراحة لدى القيام به ، ومنذ خروجى من السجن واقترابي -الذى دفعنى اليه بشده لهفتى الى اللحاق بما فاتنى خلال السنوات الأربع التى قضيتها بين جدرانه - من المواقع الملعونة التى يشار اليها بمواقع التواصل الإجتماعى ، خلقت واتسعت فجوة كبيرة بينى وبين مدونتى ومنصات الرأى الأخرى التى كانت أحد أهم الوسائط التى ساعدتنى على التعبير عن نفسى وإخراج ما بداخلي فى شبابي المبكر.
الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعى الأخرى خلقت مشكلة كبيرة هى أن الرقابة والوصاية التى يمارسها مستخدموها والتى تصل حدتها الى الشتائم والسباب والخروج عن نقاش القضايا الى النقاش حول الأفراد والطعن فيهم ووصمهم وضعت حاجزا نفسيا جديدا أمام من كانوا يتصورون أن الإنترنت قد الغى جميع الحواجز التى كانت تعترض فى السابق طريق كل من يريد التعبير عن نفسه دون محظورات او خطوط حمراء ،فى السابق كنا نتصور ان الحواجز المادية كالسجن والنبذ الاجتماعى والاعتداءات البدنية هى اخطر ما يمكن ان يجعل المرء يخشي عواقب التعبير عن نفسه ، لكن بعد ان فقدت تلك العواقب الى حد كبير جدواها ظهرت تلك الحواجز النفسية الجدديدة التى يغذيها الفكر القطعانى ،حتى اصبح البعض يفكر مرات كثيرة قبل ان يلقي على حائطة بكلمتين يخرج بهما شيئا محتبسا داخله.
 وبالنسبة لى فالتدوين او الكتابة لم يكن فعلا اسعى من خلاله الى تغيير المجتمع من حولى كما يظن كثيرون ، بل كان ولا يزال  مساحة لاخراج ما بداخلي حتى لا اختنق ، الكتابة هى فعل كنت ولا ازال ابغى من خلاله مصلحة شخصية ضيقة جدا ، ضيق تلك المصلحة لا يصل حتى الى مرتبة الرغبة فى الحصول على مال او شهرة او مكانة اجتماعية (وهى امور مشروعة لا اقلل من اهميتها  ولا من قيمة من يسعون اليها) لكن الكتابة بالنسبة لى كان كل غرضها افراغ الطاقات السلبية التى يصدرها الى المجتمع والبيئة المحيطة بى.
 طبيعة المدونات ساعدتنى على ذالك لان مستخدميها فى عامى 2005 ، 2006 كانوا افرادا محدودين ولم يكن هناك علاقات او روابط اجتماعية او صداقات تربطنى بأى منهم ، والتعليقات التى كنت أقرأها أحيانا لم أكن أعيرها إهتماما ان كانت تحمل نقدا جارحا أو سبابا مقذعا ، فلم اكن اكتب كى أطرح موضوعات ما للنقاش ، ولم أكن حتى كاتبا محترفا بالمعنى الساذج المتداول لاحتراف الكتابة والذى لا يزال محل تقدير فى هذا العالم السطحى التافه ، ولم اضبط نفسي يوما ما ساعيا الى ذالك!
كانت نظرتى لنفسى هو اننى فرد عادى جدا يكتب ما يجول بخاطره ، وكنت أرى مستقبل الانترنت والمدونات بل والهدف الأسمى المرجو منها يكمن فى انها ستعطى مساحة لكل فرد ليعبر عن ما يعن له دون ان يتأثر بالاراء الجمعية او السلطوية التى تفرضها عليه وسائل اعلام السلطة او جماعات المصالح أو غيرها من القطعان التى تستهدف اغتيال حرية وفردانية البشر.
ظننت أنه حال سقوط هيبة الدولة  فى عيون المواطنين او انحلال عري المجتمع وتفكك النظام الأسرى سيختار الافراد ان يكونوا مجرد أفراد وان تكون ارائهم التى يلقون بها فى ساحات الانترنت هى تعبير عن فردانيتهم وتميزهم ، غيبنى السجن عن واقع الحياة اربع سنوات ظهرت خلالها منصات كثيرة مختلفة استخدمت للتعبير عن الرأى كنت أتابع اخبار اطلاقها ودخولها مجالات الرأى والحشد السياسي والنشاطات الاجتماعية وايضا الادبية من خلال الاخبار التى كنت اتمكن من الحصول عليها  وكنت أحسب أن هذه الوسائل ستكون اضافة او امتدادا لفكرة المدونات التى تعطى الفرد مساحة يفرد بها ارائه الخاصة لتثبت للتنظيم الاجتماعى القامع أن محاولته ابراز ان الافراد المجبرين على الخضوع لقوانينه ليسوا اكثر من نسخ متطابقة هى ليست بأكثر من محاولة فاشلة بحكم واقع تعبير هؤلاء الافراد عن اراء متمردة على الأفكار السلطوية التى يقوم عليها هذا التنظيم الاجتماعى ، فقد كنت أتصور أن هذه المساحات التى يفترض ان يستخدمها الأفراد فى التعبير عن أنفسهم ستساعدهم على الخروج عن سطوة المجتمع وقهره ولم يكن خيالي جامحا الى درجة الفرض بأن الفكرة وراء التنظيم الإجتماعى والقطعنة هى مغرية الى الحد الذى يجعل البعض يتحلل من ربقة الدين والانتماء الوطنى والسياسى والولاء الأسرى ، ليتخذ مثلا عليا وآلهة هم في واقع الأمر ليسوا أكثر من مجرد مستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعى مثلهم مثل من رفعوهم لتلك المصاف العليا !!
صناعة الآلهة فى مصر هى إحدى أبرز الصناعات الناجحة والمدمرة فى ذات الوقت ، فهى صناعة ناجحة بالنظر الى جودة مخرجاتها التى تجعل الأفراد يتماهون مع أدوارهم كأسياد أو تابعين ، وهى أيضا مدمرة بالنظر الى تأثيرها على الأفراد ونظرتهم وشعورهم تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين ، فبعض الأفراد الذين تم تأليههم وتماهوا مع طبيعتهم الإلهية الجديدة لم تكن لديهم رغبة معلنة -على الأقل- فى ذالك ، وبعضهم كانوا اقرب الى وجهة نظرى فى قضايا كالمجتمع والسلطة والفردانية وحرية الفرد المطلقة ، لكن المشكلة تكمن فى أن العبيد الذين مارسوا العبودية لفترة طويلة وإعتادوا عليها لم يكن بإمكانهم التخلص بسهولة من فكرة الخضوع لشخص او فكرة او تنظيم ، لذالك عندما بلغ التمرد الاجتماعى فى مصر الذروة  المحدودة التى تمكن من الوصول اليها قبل سنوات كان عصيا على كثير من الأفراد هضم واستساغة ما يحدث ، ولأنهم لم يكونوا معتادين على التفكير بأنفسهم لانفسهم واتخاذ قراراتهم بمحض ارادتهم فكان الخيار الامثل المتاح هو البحث عن اسياد جدد ، وعندما لم يتمكن بعضهم من ايجاد مثل هؤلاء الأسياد فإنهم سعوا الى خلقهم وايجادهم!
 أزعم أن الأمر لم يكن بتلك السهولة المتصورة ، فتحويل شخص ما مؤمن بقيم كحرية الفرد المطلقة إلى إله يعطى نصائح وتعليمات وتوجيهات ليست بالأمر الهين ولكن "الزن على الودان أمر من السحر" كما يقول المثل الشعبي ، الوصفة السحرية لذالك هى خلق فريقين متعارضين احدهما يشيد بهذا الفرد ويعبر عن حبه وتقديره وموافقته على كل ما يكتبه بشكل مطلق ، وآخر يناصبه العداء والكراهية أيضا بشكل مطلق ، لا يشترط فى كل من ينتمون الى هذين الفريقين ان يكونوا افرادا حقيقيين ، فالعبيد فى حقيقة الأمر لا يختلفون كثيرا عن الآليين ، والحسابات الوهمية - أو حتى الحقيقية - التى يديرها البعض مشيدين او محتقرين من خلالها افرادا ما دفعت بعض الأفراد حسنى النية للميل الى الجانب الذى يدعمهم حتى وإن بدا لهم مغرقا فى الزيف والإدعاء ، وكلما كان الهجوم مضاعفا وعنيفا كلما ازدادت حدة الميل الى هذا الجانب حتى فقد بعض هؤلاء السيطرة على أنفسهم وتماهوا بشدة مع هذا الجانب المتظاهر بدعمهم والذى انخدع به اخرون وانضموا اليه تحت وطأة شعور ورغبة ملحة بالانضواء تحت لواء ما ، متحولين فى نهاية المطاف الى كيان واحد مكون من اله او إئتلاف آلهة ، وتابعين.
فى النهاية يجد هؤلاء الافراد الذين كانت حرية الفرد المطلقة هدف لهم يؤمنون به ويسعون لتحقيقه الى كائنات تلوك شعارات لا تتوافق بحال من الأحوال مع لب خطابهم وسلوكهم المعلن.
خمس سنوات كاملة عشتها أسير مواقع التواصل الاجتماعى وعلى رأسها المنصة  المدمرة اللعينة المسماة بـ"فيس بوك" ، خمس سنوات خبرت فيها أن السجن الحقيقي الذى يفقد الانسان فيه حريته هو سجن الأفكار، عندما يجد نفسه مضطرا الى أخد مشاعر وميول واتجاهات وتعليقات محتملة لمتابعيه واصدقائه الإفتراضيين بعين الاعتبار قبل ان يكتب عبارات قليلة على ما يسمونه بـ"الخط الزمنى" خاصته !!  وعندما غادرت هذا الموقع قبل شهر ونصف شعرت بأننى أسترد أنفاسي من جديد بعد أن كان يعدها على قطعان تستخدم حريتها فى التعبير عن رأيها  فى اخراس من يختلفون معها تارة بتكوين مصطلحات جديدة ورميهم بها وتارة اخرى بوصمهم بأشياء لا تتفق فى حقيقتها معهم لمجرد أن أرائهم أو أسلوب حياتهم أو أخطائهم الإملائية أو اللغوية أو حتى الشكل الذى يظهرون عليه فى صورهم لا يروق لهم !! ووصلت أخيرا الى نتيجة مفادها ان السماح للغوغاء وغير الغوغاء بالتعليق على ما نكتب هو دعوة مفتوحة لهم لكتم الأنفاس والحجر على الآراء ، فما من شك أن الفرد يتأثر عندما يتقرب اليه البعض ثم يساومونه على نفسه فى مقابل الحفاظ على هذا القرب الذى اعتاد عليه ، وليس هناك أسوأ من أن يجد الفرد نفسه فى نهاية المطاف مجردا من حريته غير قادرا على أن يعبر عن ما بداخله كما اعتاد أن يفعل .
أتمنى أن تكونى عودتى الى الكتابة دائمة وأن لا يتخللها عقبات نفسية أو انتكاسات دافعها تواصل قطعانى مدمر أو غيره !!