السبت، فبراير 27، 2016

توفيق عكاشة والمواقف الرسمية المتخبطة تجاه إسرائيل

لم يكن لقاء الإعلامى والنائب البرلمانى المصرى "توفيق عكاشة" بـالسفير الإسرائيلى الجديد بالقاهرة هو المناسبة الأولى التى يبدى فيها الإعلامى المثير للجدل مواقف ايجابية تجاه الدولة العبرية ، فلقد سبق له أن عبر عن آراء متسقة مع الموقف الرسمى المصرى تجاه الجارة التى تربطها بالدولة المصرية إتفاقية سلام وعلاقات دبلوماسية وإقتصادية وتعاون عسكرى وأمنى فى مناسبات مختلفة ، لكنها المرة الأولى التى تثير فيها مواقف الرجل المعلنة فى هذا السياق ردود أفعال قوية وصلت فى ذروتها ذروتها الى تقديم بلاغات ضده الى النائب العام .
هذا اللقاء الذى سعى إليه عكاشة بدعوته للسفير الى تناول العشاء بمنزله ثم الإعلان عنه عبر وسائل الإعلام لا يتجاوز فيما يبدو محاولة من النائب الذى يهوى البقاء فى دائرة الجدل لابقاء الأضواء مسلطة عليه فى بلد تتضارب المواقف الرسمية وغير الرسمية فيها تجاه إسرائيل ، لكن ردود الأفعال على هذا اللقاء من قبل زملائه فى البرلمان وبعض الإعلاميين المقربين من السلطة تعكس حالة من التخبط فى الدولة التى تخاطب الداخل والخارج بخطابين متعارضين تماما خاصة فيما يتعلق بقضايا كالسلام والعلاقات مع إسرائيل.

رسميا لم يرتكب النائب عكاشة بلقائة مع سفير الدولة العبرية أى مخالفة سياسية أو قانونية ، فإسرائيل دولة تربطها بمصر علاقات عمرها ثلاث عقود ونصف ولديها سفارة فى القاهرة كما أن لمصر سفارة وسفير فى تل أبيب ، ولم يسبق أن تعرض مسؤل رسمى أو حزبي أو حتى مواطن غير ذى صفة رسمية فى مصر لهجوم أو واجه دعاوى قضائية للقائه بسفير دولة يمثل بلاده فى القاهرة ، وحتى عندما إلتقى مسؤلون حزبيون بسفير كوريا الشمالية فى القاهرة لم يعترض أحد على اللقاء أو يهاجمهم بالرغم من السمعة السيئة التى يتمتع بها النظام الكوري الشمالى والذى يهدد سلام واستقرار العالم بمشاريعة النووية.
لذالك يصعب تفهم الهجوم الذى يشنه موالون للنظام على النائب بعيدا عن إطار الشو الإعلامى ومحاولة تسجيل المواقف أمام رأى عام مشحون بمشاعر معادية للدولة العبرية ، وهى مشاعر يمكن تفهمها بالنظر إلى تضارب الخطاب الرسمى الموجه الى الداخل معبرا عنه فى برامج تليفزيونية ومسلسلات وأفلام تصور إسرائيل كدولة معادية مع نظيره الموجه الى المجتمع الدولى والذى تعبر فيه الدولة بقادتها المتعاقبين على إلتزامها بمقتضيات معاهدة السلام بما فيها تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان العبري والتعاون الإقتصادى والعسكرى والأمنى بين الجارتين ، كما يمكن إستيعابها بالأخذ بعين الإعتبار حقيقة أن الدولة المصرية ممثلة فى حكومة الرئيس الراحل محمد أنور السادات وقعت معاهدة السلام نهاية سبعينيات القرن الماضى رغم الإحتجاجات الشعبية الواسعة و إعتراضات من جانب المعارضة المصرية ومن جانب بعض المسؤولين فى الدولة وقتها والذين قدم بعضهم إستقالته فى خطوة إحتجاجية.
الواقع الآن على الأرض يؤكد على وجود علاقات دبلوماسية راسخة بين الدولتين رغم السخط الشعبي والنفاق الرسمى ، وكما قلت فإنه يمكن تفهم الإعتراض الشعبي على معاهدة السلام والعلاقات الدبلوماسية بالأخذ فى الاعتبار حالة الشحن الإعلامى التى تواكب عادة مناسبات إحتفالية رسمية مرتبطة بتاريخ المواجهات المصرية مع إسرائيل وتواكب في أحيان أخري التغطيات الإخبارية لأى مواجهات تحدث بين الفلسطينيين أو المقاومة اللبنانية من جهة والجيش الإسرائيلي من جهة أخرى ، لكن ما لايمكن فهمه وإستيعابه هو المواقف التى تخرج عن مسؤلين رسميين وأعضاء برلمانيين مقربين من النظام ومؤيدين للسلطة الحالية من أعلاميين وقانونيين وشخصيات عامة أخرى تجاه أى شخص يبدى مواقف متسقة مع موقف الدولة الرسمى ، فمن المفترض أن تأييد السلطة أو العمل معها وبجانبها يقتضي بطبيعة الحال الموافقة على جوهر سياساتها وتأييدها ، ومن الطبيعى أن ينأى كل من لم تتوافق قناعاته وأفكاره مع سياسات الدولة عنها وعن مواقفها وأن يتخذ منها موقفا معارضا ساعيا لتغييرها ، لكن أن يؤيد أحدهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذى دعا قبل فترة إلى توسيع نطاق معاهدة السلام مع إسرائيل لتشمل عددا أكبر من الدول العربية ولا يجرؤ على توجيه أى نقد لخطابه السياسي بشكل عام أو مواقفه الإيجابية من اسرائيل التى تشمل تنسيقا أمنيا على الحدود المشتركة بينهما فى إطار حربهما على تنظيم "الدولة الإسلامية" فى سيناء ومواجهتهما لـ"حركة المقاومة الإسلامية" الحاكمة فى قطاع غزة وفى نفس الوقت يهاجم نائبا برلمانيا مصريا لمجرد أن التقي مع دبلوماسي ممثل لدولة أجنبية تربطها علاقات قوية ووثيقة مع بلده ، فهو أمر يصعب إستيعابه خارج إطار حالة من التخبط الشديد تلقي بظلال قوية على الواقع السياسي المصري منذ إنتقال السلطة فى مصر من أسرة محمد على إلى المؤسسة العسكرية فى خمسينيات القرن الماضى.